صديقي الراحل البروفيسور جمال عبد الحي — رفقة لا تُنسى ودموع وداع لا تجف
شهادة وفاء في حق البروفيسور جمال الدين عبد الحي، تستعيد سنوات صلالة ورفقة السودانيين في الغربة، ولحظة وداع بقيت دموعها حيّة في الذاكرة.
بطاقة التوثيق
الكاتب: الطيب مضوي شيقوق
المصدر: صفحة Facebook — Eltayeb shaigoog
التصنيف: وفاء وذكرى
صديقي الراحل البروفيسور جمال عبد الحي
رفقة لا تُنسى... ودموع وداع لا تجف
بعد مسيرة مهنية حافلة امتدت منذ مطلع الألفية الثانية في سوق مسقط للأوراق المالية، قدّرت لي الأقدار أن أختتم رحلتي العملية في رحاب محافظة ظفار، حيث توليت مهام المستشار القانوني بشركة ريسوت للأسمنت بمدينة صلالة. وهناك، في تلك البقعة الوادعة التي تلتقي فيها الطبيعة الأخّاذة بصدق الإنسان، عشت عامين من أجمل سنوات الغربة، وكانا بحق خاتمة طيبة لمسار امتد زهاء عقدين في أروقة العمل العام والخاص بسلطنة عمان.
كانت تلك المحطة الأخيرة – بين عامي 2017 و2019 – من أجمل فصول تجربتي في سلطنة عُمان، لا بجمال المكان وحده، بل بما حفلَت به من معانٍ إنسانية وذكريات لا تُنسى. صلالة بسحرها وهدوئها كانت خلفية مثالية لصداقة صادقة ورفقة أصيلة، اختزلت سنوات الغربة في لحظات دفء تقاسمناها معًا، وبقي أثرها حيًّا في القلب حتى اليوم.
في تلك الفترة، لم أشعر بالغربة كما يشعر بها كثيرون، فقد منّ الله عليّ بصحبة كريمة من أبناء بلدي، كانوا زادي ودفئي في بلاد المهجر. اعتادوا أن يؤنسوا وحدتي خلال عطلات نهاية الأسبوع، فصار بيتي ملتقى دائمًا للقلوب السودانية الصافية. من بين أولئك الرفاق كان البروفيسور جمال الدين عبد الحي – رحمه الله – حاضرًا دوماً بابتسامته الهادئة وطيب معشره، ومعه الإخوة الأعزاء: الدكتور معاوية، والأستاذ الطيب الفيل، والدكتور كمال معاذ، والأستاذ عبد الرحمن يحيى، وآدم صالح، وأبو سن، والمهندس صلاح حسن يوسف، والمهندس عمر سلمان، والمهندس التجاني محمد صالح.
كان جمال الدين نبيلاً في صداقته، صادقًا في مواقفه، بسيطًا في حضوره رغم علمه ومكانته. تعرفت عليه عندما كنت أعمل مستشارًا قانونيًا لشركة ريسوت للأسمنت، فجمعنا العمل أولاً، ثم جمعتنا الصداقة التي نسجت خيوطها الأيام بلطفها، وقوّاها الوفاء والتقدير المتبادل.
لم تكن علاقته بنا علاقة عابرة، بل كان من أولئك الذين يألفون ويؤلفون، يزرع محبته في القلوب دون تكلّف، ويغادرها بصمت لا يُنسى.
وما زالت لحظة وداعي لهم – عند عودتي النهائية بعد عامين – حاضرة في ذاكرتي بكل تفاصيلها. كان المشهد مفعمًا بالعاطفة، لكن دموع جمال الدين – رحمه الله – كانت أبلغ ما قيل في تلك اللحظة، فقد بكى كما يبكي الطفل الوديع، بحرقة من لا يريد فراق من أحبهم، وبتلقائية نادرة قلّ أن نجدها في هذا الزمن. كانت دموعه مرآة نقاء قلبه، وعنوانًا لوفاء لا يتصنّع، وذكرى لا تنسى.
رحم الله البروفيسور جمال الدين عبد الحي، وجعل ما قدّمه من علم وعمل وخير في موازين حسناته، وأسكنه فسيح جناته.ولا حول ولا قوة إلا بالله.
التعليقات المنشورة
0