✦ إهداء الافتتاح

بمناسبة الافتتاح الرسمي لمكتبة المستشار الطيب مضوي شيقوق، أهدي هذا الفضاء إلى والدي العزيز؛ ليكون بيتًا لمقالاته، وذاكرةً تحفظ كلماته، ومنبرًا ينشر جديده، وهديةً مفتوحة لكل قارئ كريم. — الصديق الطيب

رجوع إلى المقالات
أدب وذاكرة ثقافية

صلاح أحمد إبراهيم في ذكراه الثانية عشرة

التاريخ: 31-07-2006، 04:04 صباحًاالحالة: موثق من النص الكامل — المقال والمداخلات الأساسية محفوظة ومنسقةفتح المصدر الأصلي

استعادة أدبية وإنسانية لشخصية الشاعر والدبلوماسي صلاح أحمد إبراهيم في الذكرى الثانية عشرة لرحيله، تتبع صوته وشعره ومواقفه، ثم توثق حوارًا ثريًا بين المشاركين حول تجربته الشعرية والسياسية والإنسانية.

بطاقة التوثيق

صاحب البوست: الطيب شيقوق

تاريخ النشر: 31-07-2006، 04:04 صباحًا

المصدر: منبر سودانيز أونلاين

التصنيف التحريري: أدب وذاكرة ثقافية

موضوع البوست: استعادة شخصية الشاعر والدبلوماسي صلاح أحمد إبراهيم في الذكرى الثانية عشرة لرحيله، مع مداخلات أدبية ونقدية وسياسية من أعضاء المنبر.

فتح البوست الأصلي في سودانيز أونلاين

النص الأصلي

بمناسبة الذكرى الثانية عشرة لرحيله، حاولت أن أعتمد على الذاكرة لأستعيد صورته. وما إن تراه حتى تحس أنه ملك نوبي عاد إلى الحياة. والأغرب أنك إذا لم تر هذا رأيت فارسًا من الذين اندفعوا من اليمن إلى الحجاز وإلى إشبيلية وغرناطة؛ أي أنه وجه زنجي عربي معًا، له شخصية تحمل كل مقومات الشخصية السودانية بكل مناقضاتها وتراثها.

صوته حزين لدرجة الانكسار، وقوي لدرجة العنفوان، قوي إلى درجة الاستبداد ورقيق إلى حد الشجن، متعلق بالحياة إلى درجة الشبق والاندفاع، غارق في الرومانسية إلى حد التأمل والتصوف، عذب إلى درجة النعومة وحاد إلى درجة الخشونة، منفلت إلى درجة الجنون وخجول إلى حد الانطواء، جريء إلى درجة المغامرة وحالم إلى حد الخجل، متسلط إلى درجة الطغيان ورقيق إلى حد التذلل.

هذا نوع من الأصوات لا يموت، وهذا نوع من الشعر غير قابل للفناء. فالشعر مرآة الشعوب، وهو باق ما بقيت، والشعر هو التجسيد الصوتي لهذه الشعوب، والتعبير الحي عن ثقافتها وتاريخها ومعالم هويتها.

شاهدت صلاح وأنا صغير في مدرجات الدرس في حنتوب الجميلة، وتارة في حواري أم درمان، وأحيانًا أخرى شاهدته في المنتديات الثقافية والأدبية والليالي السياسية والندوات العامة. وعندما يصافحني ويمضي يخيل إليّ أنني صافحت ظلًا لرجل لا وجود له. وهذه عادة سودانية شائعة: أن يغلب التهذيب على الوجود، والطيف على الحقيقة.

تتبعت سيرة صلاح وأعماله الشعرية والأدبية. لقد عاش صلاح حياة صعبة، هي الأخرى جزء من شاعريته أو على الأرجح سبب لها. وها هو صلاح بدوره يكتب عن الطفولة الحالمة والرخصة في نفاجات وحواري أم درمان. ومن كتاباته تبدو الستينيات والسبعينيات في سيرته وكأنها من عصر آخر لا من عقد آخر، ويختلط هنا الشاعر بالناثر ويستكملان.

نرى فقرًا في سيرة صلاح، وبساطة نص جميل يسير فيه شيء من الورع. وعندما سئل لماذا لا يكتب سيرته الذاتية أجاب:

لم أتهيب شيئًا من تأليف مثلما تهيبت كتابة سيرتي الذاتية، لأن كل ما أخرجته كان غيري المعروض وأنا العارض، أو غيري الموصوف وأنا الواصف. والعين لا ترى نفسها إلا بمرآة، والشيء إذا زاد قربه تصعب رؤيته، والنفس لا ترى شخصها إلا من قول عدو أو ثناء صديق، أو بمحاولة للتجرد ثم توزيعها على شخصيتين: ناظرة ومنظورة، حاكمة ومحكومة، وما أشق ذلك وأضناه.

>

مع هذا كيف يكون الإنصاف؟ إن النفس إما أن تغلو في تقدير ذاتها فتنسب لها ما ليس لها، أو تبالغ في تقدير ما صدر عنها، أو تبرز ما شاء من تصرفها؛ وإما أن تغمطها حقها ويحملها حب العدالة على تهوين شأنها، فتسلبها ما لها أو تقلل من قيمة أعمالها أو تنظر بمنظار أسود لكل ما يأتي منها.

>

أما أن تقف من نفسها موقف القاضي العادل والحكم النزيه فمطلب عز حتى على الفلاسفة والحكماء. ثم إن للنفس البشرية أعماقًا كأعماق البحر وغموضًا كغموض الليل؛ فالوعي واللاوعي، العقل الباطن والعقل الظاهر، الشعور البسيط والمركب، الباحث السطحي والعميق، الغرض البعيد والقريب، كل هذا وأمثاله يجعل تحليلها صعب المنال وفهمها أقرب للمحال.

كان يقول عن فاطمة الحبيبة إنها تعتبر في طليعة مناضلات السودان؛ بدأت حياتها السياسية بصوت رومانسي ولكنه متمرد. رفضت الفتاة السودانية أن تكون مجرد وجه أو جسد جميل، ورفضت مواضعات فرضتها عليها التقاليد الصارمة التي سلبتها إنسانيتها وحولتها إلى مجرد فرد من الدرجة الثانية في جماعة يحكمها الذكور، تلتزم بما تقوله الجماعة وتفعل كما تؤمر. واكتشفت من خلال روحها الثائرة ضرورة تفردها فتفردت، وأصبحت صوتًا قويًا أصيلًا فريدًا يعبر عن العصر بكل مفرداته.

كان صلاح، وسوف يظل، يلاحقه الانقسام حول شعره وأدبه. لقد رأى كثيرون أن صلاح مجرد حكواتي تأثر بائس يردد سواد حياة المشردين وقساة القلوب. وإلا بماذا تفسر قوله يوم رأى جثمان الشهيد محمود محمد طه على حبل المشنقة وهو يخاطب قوى النظام:

جلابيته من كفن الشهيد مقطوعة
سبحته من حبال المشنقة المرفوعة
صحة عضلوا من لبن الأهالي وجوعا
أب فاتورة من لبن الرضيع مدفوعة

ورأى آخرون فيه موهوبًا تأخر في النزول إلى سهول الورق، فتعثر في الصخور والأودية وبقي صلفًا كالوعر. واتفق فريق آخر مع الكتاب والأدباء والنقاد الذين اعتبروه أحد ثقات الواقعية الأدبية والرواية الشعرية لعذاب الكادحين ومناصرة المسحوقين.


المداخلات والتعليقات

محمد حسين آدم | 15-08-2006، 09:38 صباحًا

أعاد الاستشهاد بالأبيات:

جلابيته من كفن الشهيد مقطوعة
سبحته من حبال المشنقة المرفوعة
صحة عضلوا من لبن الأهالي وجوعا
أب فاتورة من لبن الرضيع مدفوعة

عبد اللطيف عبد الحفيظ حمد | 16-08-2006، 01:27 صباحًا

يا مريا
أنا من أفريقيا
صحراؤها الكبرى وخط الاستواء
شحنتني بالحرارات الشموس
وشوتني كالقرابين على نار المجوس
لفحتني فأنا منها كعود الأبنوس
وأنا منجم كبريت سريع الاشتعال
يتلقى كلما اشتم على بعد تعال

صلاح أحمد إبراهيم.

لك التحية وأنت تحيي تلك الجذور الميتة بداخلنا كلنا، بدفقة من وهج وبريق. لك التحية وللرجل الوفاء والتقدير والحب والإعجاب لما قدم للوطن، فهو أمة قد رحل الجسد منها وتركت الروح بصماتها ترفرف بأجنحتها فوق دياجير الوطن.

وكما كان يراه صديقه علي المك: «وكنت تراني الشجاع الذي هزم الأغلبية». ذلك هو صلاح، ذلك الهادئ هدوء مياه الأبيض، العاصف الثائر.

رد الطيب شيقوق | 16-08-2006، 01:39 صباحًا

الأخ عبد اللطيف، لله درك يا ظريف. ستظل آذاننا في انتظار الكثير من إسهاماتكم. لك ودي.

بيان | 16-08-2006، 02:52 صباحًا

استوقفتها فقرة صلاح عن صعوبة كتابة السيرة الذاتية، وعلقت:

يا سلام. فقط شكرًا لك شيقوق وأنت تشركنا قراءة هذه الخاطرة الجميلة. المحبة لبطل من زماننا. لك المودة.

رد الطيب شيقوق | 16-08-2006، 03:36 صباحًا

الأخت الفاضلة الدكتورة بيان، هذا كله من فيضك. والله في اللحظة التي فكرت فيها لنسخ هذا الموضوع وإدراجه كمداخلة في نفس البوست الخاص بك عن أستاذنا صلاح أحمد إبراهيم، فوجئت بمداخلتك، فلك التجلة وكل الاحترام.

اطلعت على بروفايلك، ويا للعجب ويا لفخرنا فيك ترفعين هاماتنا عالية: دكتوراه في هندسة الجينات، وثلاثة ماجستيرات في الأدب والقانون الدولي والخدمة الاجتماعية. عيني عليك باردة يا من جمعت بين هذه التخصصات المميزة. لك كامل احترامي.

بيان | 20-08-2006، 09:55 صباحًا

العزيز شيقوق، متأسفة لأنك لم تر الفكاهة في الأمر. في هذا المنبر من يكتب مثل هذه الأشياء، فقط كنت أود المزاح. ولك الشكر على حديثك الطيب. وصلاح يستحق أن يكون دائمًا في ذاكرة هذا الشعب الذي أحبه.

عوض محمد أحمد | 23-08-2006، 04:56 صباحًا

طرح مجموعة من الأسئلة النقدية حول علاقة صلاح أحمد إبراهيم بنظام مايو، وعمله سفيرًا بالجزائر حتى عام 1976، وصلته بالإنقاذ، وعدائه لمنصور خالد، ومدى اتساق هذه المواقف مع الإيمان بالديمقراطية.

وختم بقوله إن صلاح قد يكون شاعرًا جيدًا، لكنه دعا إلى عدم تقديمه مناضلًا من أجل الحرية والديمقراطية دون مناقشة هذه الأسئلة.

إشراقة حيمورة | 23-08-2006، 06:33 صباحًا

أوردت قصيدة صلاح أحمد إبراهيم في رثاء صديقه علي المك، وكأنه كان يستعد للرحيل:

مضيت وخلّفت لي ترحة
كأن المنية عندي ثار
أو غورت في مهجتي قرحة
إذا ما ذكرتك ذات اعتصار

>

وهذي المرارات في شفتي
كهذي الدموع الغزار الحرار
وطيفك يخطر في مقلتي
يحنظل حلواي ليل نهار

>

الوداع الوداع أخًا هزني
فما لي وقار وما فيّ اصطبار

>

ويا موت خذ، يحزن القلب أو تدمع العين، لكن لنا ثقة في البديل
وشرف بلا حرج، من تخطفت يا موت صار
بسيرته وسريرته وعطيته قدوة للصغار
منارة جيل، وجيل، وجيل

>

ألا ولكل امرئ أجل ثابت وكتاب
فإما حياة مهذبة تستحق سمات ومثلت كالسحاب
وإما طماعية ومدافعة جيفة كشياه الدواب

>

فما أسهل الاختيار
وما أصعب الاختيار

>

قدم هنيئًا يا أخًا ثقتي، فزت في الاختبار
والسلام عليك أخًا رحلتي، السلام عليك وراء الحجاب
وشهقتي في المنية، سيفي يهفو إلى ضيعة في القراب

>

السلام عليك انتظرني، فما لي غير عصا وعليها جراب
السلام عليك السلام عليك علي
السلام عليك صديق الجميع
السلام عليك حبيب الجميع
السلام عليك أثير الجميع
السلام عليك إلى أبد الآبدين «علي».

ثم كتبت: شكرًا شيقوق.

عصمت العالم | 23-08-2006، 04:16 مساءً

كتب مداخلة مطولة احتفاءً بصلاح أحمد إبراهيم شاعرًا وإنسانًا، ووصفه بأنه فارس مرحلة أفاض فيها بروائع أشعاره، وترك دويًا وصدى لا يزال يتردد.

وأشار إلى أن الاختلاف في تشكيله السياسي لا ينبغي أن يحجب الاحتفاء بعطائه الشعري، ورسم صورة إنسانية لشخصيته المتقلبة بين الاتقاد والهدوء، الغضب والرقة، الفكاهة والصرامة، والوفاء العميق لمن عرفهم.

كما تحدث عن أناقته، وإجادته الرسم، وجمال خطه، وصلاته بأسرته وأسرة الكاتب، وعن مشاركاته في نادي العباسية الثقافي مع شعراء وكتّاب، منهم جيلي عبد الرحمن، وعلي عبد القيوم، والنور عثمان أبكر، ومبارك حسن الخليفة، وعلي المك، ومحمد وردي والكابلي.

وختم بأن عشق صلاح الأول كان السودان، وأن أمدرمان والعباسية ظلتا في قلبه، وأنه ظاهرة شعرية ستظل حاضرة في الوجدان.

بيان | 24-08-2006، 01:00 صباحًا

ردت تفصيلًا على أسئلة عوض محمد أحمد، ورأت أن عمل صلاح في مؤسسة سودانية كان حقًا له، وأن استقالته وخروجه إلى منفاه الاختياري دليل على استقلاله.

ودافعت عن موقفه من قضايا الوطن، وقالت إن صلاح عاش للشعب وبالشعب، وإن محبة الناس له داخل السودان وخارجه هي المقياس الأوضح لبقاء صيته ومكانته.

وختمت بالدعاء له والاحتفاء به شاعرًا ومناضلًا وإنسانًا سودانيًا.

رد الطيب شيقوق | 24-08-2006، 02:25 صباحًا

الأخت الكريمة بيان، لك أطيب الأماني. شيقوق.

محمد عبد الجليل | 28-08-2006، 11:39 مساءً

استعاد المقطع المتعلق بغموض النفس البشرية وصعوبة تحليلها وفهمها:

ثم إن للنفس البشرية أعماقًا كأعماق البحر وغموضًا كغموض الليل؛ فالوعي واللاوعي، العقل الباطن والعقل الظاهر، الشعور البسيط والمركب، الباحث السطحي والعميق، الغرض البعيد والقريب، كل هذا وأمثاله يجعل تحليلها صعب المنال وفهمها أقرب للمحال.

ملاحظات الأرشفة

احتفظت النسخة الأصلية بعدد من المداخلات القصيرة التي استخدمها صاحب البوست لرفع الموضوع إلى واجهة المنبر، مثل: «فوق» و«up». وقد جُمعت هنا في هذه الملاحظة بدل تكرارها داخل سياق القراءة، وهي موزعة بين 15 و30 أغسطس 2006.

تجمع هذه الصفحة بين النص الأصلي للطيب شيقوق والمداخلات الأدبية والنقدية والسياسية التي أضافت إلى صورة صلاح أحمد إبراهيم، مع المحافظة على أسماء المشاركين والتواريخ وترتيب مسار الحوار قدر الإمكان.

تعليقات القرّاء

اكتب تعليقك على هذا الموضوع. لن يُنشر إلا بعد مراجعة إدارة المكتبة.

التعليقات المنشورة

0

جارٍ تحميل التعليقات…