ظلال وأشجان في مسيرة القضاء السوداني
بقلم الفاتح ميرغني — طوكيو، مع مداخلات قانونية موسعة للطيب شيقوق ونخبة من القانونيين السودانيين
ملف قانوني سوداني استثنائي: مقال للفـاتح ميرغني عن استقلال القضاء وتحولاته، أعقبه حوار ثري شارك فيه الطيب شيقوق ونخبة من القضاة والمحامين، وتناول أبو رنات، قضية الشنطة، مبدأ الجار، الاستفزاز، قضية قطران، قضية نجمة، محاكمة محمود محمد طه، وعلاقة الفرد بالسلطة.
وثيقة قانونية من ثلاثة أجزاء
من أثقل مواد المكتبة علميًا وتاريخيًا؛ يجمع مقالًا نقديًا، وشهادات من داخل المؤسسة القضائية، وسوابق سودانية، ومداخلات مهنية امتزج فيها القانون بالتاريخ والأدب والذاكرة.
الصفحات الأصلية
خريطة الملف
الفصل بين السلطات وسيادة حكم القانون وصون هيبة المؤسسة القضائية.
ذاكرة القضاء في عصره الذهبي، والبينات الظرفية وضمانات المحاكمة العادلة.
مبدأ الجار، Egg-shell Skull، والرجل العاقل والمعيار الموضوعي.
المسؤولية التقصيرية، واجب العناية، الإهمال المساهم، وتقدير التعويض.
الاستفزاز الشديد والمفاجئ، الخطابات العاطفية، والأدب داخل الحيثيات القضائية.
بطلان المحاكمة، مبدأ لا جريمة بلا نص، وحدود اختصاص المحاكم.
الدولة والحكومة، مشروعية السلطة، والنظريات الفردية والثيوقراطية والاجتماعية.
أسماء بارزة في هذا السجل
“We are guided but not bound by the English law.”بطاقة الملف القضائي
المقال الرئيسي: الفاتح ميرغني — طوكيو
مشاركة الطيب شيقوق: مداخلات قانونية أصلية وموسعة في التاريخ القضائي، المسؤولية التقصيرية، الاستفزاز، السوابق السودانية، وقواعد القانون العام.
المصدر: سودانيز أونلاين
حجم الأرشيف: ثلاثة أجزاء مترابطة
تنبيه توثيقي: المقال الرئيسي من تأليف الفاتح ميرغني، وتحفظه المكتبة لما يتضمنه من مداخلات أصلية للطيب شيقوق وحوار قانوني نادر شارك فيه عدد من أبرز القانونيين السودانيين. نُظمت المادة في ملف واحد مع الحفاظ على العربية والإنجليزية كما وردتا في المصدر.ظلال وأشجان في مسيرة القضاء السوداني
بقلم: الفاتح ميرغني — طوكيو
المعروف أن القضاء، أي قضاء يكتسب هيبته ليس من قدرته على إنزال الأحكام الرادعة، وإنما من قدرته على صون استقلاليته، والتي هي أشبه بحزام العفة الذي كانت ترتديه الفتيات في أوروبا القروسطية Medieval. ومن المؤسف أن القضاء السوداني، والذي قاد مسيرته يومًا كوكبة متلألئة من القضاة العدول، مثل العلامة أبو رنات وآخرين، قد تعرض خلال العقود الأربعة الماضية إلى كافة أنواع التحرش والتي بدأت بزجه وتدجينه ثم تسخيره وتسييسه، مما ألقى بظلال قاتمة على استقلاليته ونزاهته Integrity.
يدور الحديث هذه الأيام عن قدرة هذا القضاء على محاكمة المتهمين في أحداث دارفور، تارة باعتباره رافدًا من روافد السيادة الوطنية، وتارة بحجة استقلاله ونزاهته. وقبل الخوض في مسارب هذه القضية، لا بد من الإشارة إلى حادثة تؤرخ لأول صفحة للقضاء السوداني في سيرة الدولة الوطنية، وهي جديرة بالرواية ليس لأنها ذات صلة وحسب، وإنما لأن تداعياتها قد غيرت مجرى التاريخ السياسي السوداني برمته، ولا زالت تؤرق الوجدان القانوني والسياسي.
في فترة الستينيات زُعم بأن طالبًا من معهد المعلمين العالي قد سب النبي محمد صلى الله عليه وسلم ونال من آل بيته الكريم، وقيل إن الشاب ينتمي للحزب الشيوعي. وبتحريض سافر من التيار الإسلامي، تم حل الحزب الشيوعي وطرد أعضائه من البرلمان، علمًا بأن الطالب المذكور لم يمثل أمام المحكمة بتهمة ازدراء المقدسات أو تحقير الرموز الدينية Blasphemy.
وبدوره رفع الحزب الشيوعي دعوى دستورية، حيث قضت المحكمة ببطلان إجراءات الحل والطرد، إلا أن الحكومة بدلًا من أن ترسي سابقة كان يمكن أن تُدرّس في الجامعات ومراكز الفكر، أخذتها العزة بالإثم وآثرت أن تتعامل بعقلية نظام شمولي ورفضت الحكم، فكانت النتيجة القضاء عمليًا على نظرية الفصل بين السلطات Separation of Powers، وهي الأساس الذي تقوم عليه أي تجربة ديمقراطية سوية، واستقالة رئيس القضاء مولانا بابكر عوض الله، مما مهد إلى قيام انقلاب مايو الذي بدأ يساريًا وانتهى بوهم إقامة دولة الخلافة والتجديد في السودان.
وفي تلك الفترة، أي فترة النميري، تم الإجهاز على ما تبقى من هيبة هذا القضاء، خصوصًا الفترة التي بدأ فيها النظام توجهاته الدينية، فعندما واجه رجل من العامة الرئيس النميري وشكك في أهليته لإمامة المسلمين، كان الرجل يتوقع على أسوأ الفروض ردًا من منبر الحق من شاكلة «رحم الله رجلًا أهدى إلينا عيوبنا»، فإذا به يواجه بدلًا عن ذلك اتهامًا بـ«إهانة رئيس دولة الإسلام».
والحقيقة كانت تلك تحديدًا الحقبة التي تم فيها تسخير القضاء لتصفية حسابات سياسية، جعلت الفرق بينه وبين محاكم التفتيش Inquisition في القرن الثالث عشر يتلاشى تمامًا؛ فتم إعدام المفكر محمود محمد طه بتهمة الردة Apostasy، وهي جريمة لم تكن موجودة في قانون العقوبات، رغم أن قاعدة لا جريمة بلا نص قاعدة أصولية يفهمها أي طالب قانون في السنة الأولى.
وكان من نتائج تسييس الجهاز القضائي كذلك انتشار الظلم على نطاق غير مسبوق، واستشراء البدع القانونية التي أتاحت للمكاشفي طه الكباشي أن يكون قاضي الموضوع وقاضي الاستئناف في نفس القضية، وأصبح بذلك مثل المفتش جافير في رواية البؤساء، رمزًا حقيقيًا للقهر والظلم والتشفي حيث أصدر أحكامًا ما أنزل الله بها من سلطان. ففي قضية سرقة حدية على سبيل المثال، قُدّر المال المسروق، وهو جهاز مسجل، بأقل قليلًا من النصاب، فما كان منه إلا أن سأل: هل به أحجار بطارية وشريط كاسيت؟ فلما كان الرد بالإيجاب، حسب قيمة المسجل مضافًا إليه قيمة الشريط والأحجار وأمر بحد المتهم. ولم يتذكر قول الرسول الكريم «ادرؤوا الحدود بالشبهات» أو مقولة عمر «لأن يخطئ الحاكم في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة». وتلك سابقة ما حدثت حتى في دولة طالبان.
المفاجأة كانت في اختفاء معظم ملفات تلك الحقبة الكئيبة من سجلات الجهاز القضائي، حيث تعذر الحصول على أي ملف لمعرفة حقيقة ما جرى، وذلك ما ذكره رئيس القضاء الأسبق مولانا خلف الله الرشيد لصحيفة البيان الإماراتية في 25 مايو 2005.
جاءت الإنقاذ وفي معيتها هدف واحد وهو تنفيذ برنامج التمكين Empowerment، وهو برنامج لا يمكن تنفيذه إلا بتصفية الخدمة المدنية والقضائية والشرطة والجيش من أي كادر لا يعتبر من أهل الثقة والموالاة. وقد اختارت الإنقاذ لتنفيذ هذا البرنامج في مراحله الأولى أناسًا لا يمتون بصلة إلى الجبهة القومية الإسلامية، وكان من بينهم جلال علي لطفي الذي اختير لرئاسة القضاء بعد اثنين وعشرين سنة غيابًا عن السلك القضائي، وهو ما يعني بأن هذا المنصب الحساس قد تسيّس Politicized.
وبالفعل تم في عهد إدارته إحالة أول فوج من القضاة إلى الصالح العام Pro Bono Publico، كما قام بتهديد قضاة آخرين عبر الصحف السيارة. لكن أخطر قرار اتخذه جلال علي لطفي هو استغلال سلطة الإحالة تحت المادة 26 من قانون الإجراءات المدنية، وهي مادة تتيح لرئيس القضاء سحب أي قضية من أمام أي محكمة وتحويلها إلى أي محكمة أخرى يراها مناسبة.
وبالطبع لم يجد جلال علي لطفي محكمة مناسبة سوى محاكم النظام العام Public Order Tribunal، حيث أحال لها معظم قضايا الإخلاء Eviction، وهي محاكم قضاتها من ضباط الجيش، من سلاح المدفعية وسلاح الإشارة وحتى السلاح الطبي، وهم بهذه الصفة غير مؤهلين لكتابة حتى عريضة ناهيك عن تحديد وصياغة نقاط النزاع، بينما كان مكتبه سابقًا يعج بأصحاب العقارات. والسؤال هو: ما هي العلاقة بين تعديل مكتب جلال علي لطفي للادعاء في أكثر من 80% من تلك القضايا، وإحالتها إلى محاكم لا يفقه قضاتها أبسط مبادئ قواعد العدالة والإنصاف Equity؟
المشهد الأكثر سخرية كان في ظهور بعض المحامين للترافع أمام تلك المحاكم والاستشهاد بالسوابق في أدب القانون المدني من آراء اللورد أتكين في الأجرة المثلية Standard Rent واللورد دينينج في الحاجة العامة Essential Need.
كنا نأمل لو تمت مساءلة جلال علي لطفي تحت شبهة تضارب المصالح Conflicting Interests، ولكن لم يحدث شيء من هذا القبيل. بل إن جلال علي لطفي تم تعيينه رئيسًا للمحكمة الدستورية، والتي بدلًا من أن تؤدي مهامها المتمثلة في حماية الحقوق الدستورية ومراقبة أداء الحكومة، إذا بها تتورط في قضية ورثة عقار قُدّرت قيمته بمليون دولار، وهي الفضيحة التي فجرها الصحفي عثمان ميرغني في عموده «حديث المدينة» بجريدة الرأي العام. ولذلك لم يكن مستغربًا أن يهدد المؤتمر الشعبي بتجاوز المحكمة الدستورية وتسليم قائمة بمعتقليه إلى المبعوث الأممي.
وأخيرًا، عندما يؤيد الصادق المهدي والترابي مثول المتهمين في أحداث دارفور أمام المحكمة الدولية، فإن موقفهما، وبعيدًا عن أي اعتبارات سياسية، يأتي متسقًا مع تشخيصهما للحالة المزرية Pathetic التي وصلت لها هيبة القضاء السوداني في عهد «الجلالين» جلال علي لطفي وجلال عثمان، على حد تعبير أحد كتاب هذه الصحيفة.
مداخلة الطيب شيقوق — قضية الشنطة وعظمة القضاء السوداني
أخي الفاتح، عجبني هذا المقال الذي كتبه أستاذنا شوقي بدري عن قضية الشنطة التي كان محامي الدفاع فيها الأستاذ العالم عبد الحليم الطاهر. لقد كتب الأستاذ شوقي قائلًا:
أثناء لعبة كونكان بـ«الحريق والحمير والمكاواة»، سخر حسين ود الحاوي من رفيقه سيد بهزيمته، فأخذ سيد الورقة ووضعها أمام حسين وأشار إلى «العشرة الصالحة» التي كسبها قائلًا: وعليّ قسيمة الشنطة في الصايغ نسيتها؟ ولأن رفيقنا سيد يصغرنا في العمر وهو الفلاوي من الحلة الجديدة في الخرطوم فقد استغربت لمعرفته بعشة.
هذه الجريمة وقعت في العام 1963، وربما في شهر مايو، وعائشة هارون كانت بائعة هوى ظريفة وقدمت من إحدى دول الجوار ولم تكن متمكنة من اللهجة السودانية، وتقول حين تُسأل عن اسمها «أسة» بدلًا عن عائشة. لونها يميل إلى الصفرة بجمال متوسط إلا أنها كانت جذابة. جاءت لأم درمان وهي أفقر من دار الخلوة، وبعد فترة لم تطل من الزمن صارت ترتدي أفخر الثياب وتمتلك ثلاثًا من الذهب وتقول مسخرة: أنا الذي أسر النياب، إشارة لنيابها العشرة. عشة هارون لم يكن لها أهل في أم درمان، لذا كانت تذهب إلى أهلها ومعارفها في عشش فلاتة وتمكث عدة أيام.
الحي الذي سكنت فيه عشة ورفيقاتها عُرف بـ«فريق جهنم»، وهي المنطقة المحصورة بين فريق السوق ومقابر الشهداء ومستشفى أم درمان الكبير. منزلها كان في الزقاق الثالث المتفرع من شارع نادي الهلال القديم وله بوابة ضخمة من الحديد. تشاركها في المنزل فتيات أخريات، منهن مريم وهي قوية البنية تتعرض للزبائن المشاكسين، وساعدت كثيرًا في تحريات البوليس في مقتل رفيقتها عشة هارون وتعرفت مع بقية الفتيات في طابور الشخصية على المتهم صديق، كما تعرفت على بكري صديقه الذي حضر مع المتهم في إحدى المرات يقود سيارة تاكسي.
عندما انتقلت أسرة الأستاذ صديق إلى منزله الجديد في الثورة، طلبت حماته من الخادم أن يحفر لها حفرة دخان، وأثناء انهماكه في الحفر اصطدمت الحماة بشنطة حديدية كبيرة. ضج جمالهم بأنهم عثروا على كنز، وعندما أخبرت الحماة صديق بأمر الشنطة لم يبد أي نوع من الفضول، بل طالب بالاتصال بالبوليس مباشرة، وهذا ما جعل البوليس يوجه إليه تهمة القتل أو التستر على القتل.
المحكمة الكبرى التي تشكلت كانت بزعامة مولانا حاتم محمد أبو القاسم وعضوية محمد صالح عبد اللطيف وقيع الله، وكان أظن أنه الكتيابي. والقضية استمرت مدة طويلة وتشعبت حتى بلغت ألفي صفحة، وقامت المحكمة بزيارة منزل المتهم صديق ومنزل قتيلة الشنطة عشة هارون قبل أن تصدر حكمها على صديق بست سنوات سجنًا.
وكان القاضي محمد صالح عبد اللطيف يناقش معي القضية لأنه يعلم أن لي صلات بعالم أم درمان السفلي وأصدقاء وسط الجرسونات وعمال المطاعم وباعة السوق. القاضي كان ضد الإدانة لأن سبب الوفاة لم يكن معروفًا والجثة متحللة، وهنالك إمكانية أن لا تكون الجثة لعشة. وربما لإقناع الملك وجه في المحكمة سؤالًا للخبير الذي كشف على الجثة، عما إذا كانت الرائحة من النوع النفاذ الذي يؤثر على الرؤية مثل البصل مثلًا، كما كان يميل للتحقيق مع بكري الذي لم توجه له أية تهمة، خاصة أن إحدى الفتيات ذكرت أنها لم تكن متأكدة من صديق في زيارته الأخيرة لأنه كان يغطي فمه وأنفه بمنديل يحمله في يده.
بكري كان مصابًا بقطع في يده المربوطة بشريط أو شاش، وهو ورفيقه صديق كانا في حجم متقارب. وبكري عُرف في العالم السفلي الأمدرماني بأنه شفت، ويقال إنه عاش فترة خارج السودان زُعم وقتها أنه كان في أمريكا. القاضي محمد صالح، زوج أختي، الذي شاركني السكن وقتها كان غير راضٍ عن سير القضية إلا أنه لم يكن رئيس المحكمة. والمنطق يقول إن القتيلة لم تُقتل في منزل صديق، وإلا لما احتاج الأمر لشنطة ضخمة لدفنها، بل الشنطة استعملت لتنقل الجثة.
ما كنت أسمعه أنا ويتردد في أم درمان ولم يُذكر في المحاكمة التي كنت أحضرها في بعض الأحيان، أن صديق اتهم في الجزيرة من قبل بقتل زوج امرأة كانت تربطه بها علاقة، والزوج القتيل وجدت جثته مقطعة داخل جوال، ووجه الاتهام كذلك لصديقه عبد الله. ولأن شقيق عبد الله كان نافذًا وقتها فقد تفرغ للقضية شقيقه، وحُكم على صديق وعبد الله بالبراءة.
أيام قضية الشنطة كان أبو رنات رئيسًا للقضاء وأبدى كثيرًا من الاهتمام بها وقام بدراسة ملف القضية دراسة دقيقة، ولاحقًا برأت محكمة الاستئناف المتهم صديق من التهمة الموجهة إليه. المحامي في تلك القضية هو عبد الحليم الطاهر الذي كان قاضيًا قبلها، وهو من أولاد أم درمان المدردحين وله صلات واسعة ومرموق في مجالس أم درمان، ومكتبه يواجه الركن الشمالي الغربي لحوش الخليفة في شارع الموردة.
لقد كان لنا قضاء رائع وقتها ولا يزال، ولم يكن في الإمكان تعذيب المتهمين وانتزاع الاعترافات منهم. وأبو رنات كان من أعظم رجال القانون في العالم، وقد هاجمه الوسيلة، أحد قيادات الحزب الشيوعي رحمه الله، في أحد مجالس أم درمان ولم يغضب مولانا أبو رنات. وعندما أشعل سيجارته بكبريت الوردة، وهو صناعة سودانية رديئة، طار رأس العود، فقال له الوسيلة جاريًا: يا مولانا حاسب من اللعب بالنار! فضحك مولانا أبو رنات.
من المؤلم أن قاتل عشة لم يُعرف، وكذلك لم يتعرف أحد على من قتل قتيلة الكوشة، وهي أيضًا بائعة هوى، وعلى خلاف عشة هارون كانت من وسط السودان. ووجدت جثتها وسط نفايات أم درمان التي كانت تخرج في كوشة الخيل في المنطقة التي تقع جنوب نادي المريخ، واكتشف الجثة أحد عمال الصحة التابع لبلدية أم درمان.
لم أعرف القتيلة شخصيًا من قبل، ولكن بالاطلاع على الصور التي شاهدتها عند مولانا محمد صالح تذكرت أنها إحدى بائعات الهوى في أم درمان. والمتهم بقتيلة الكوشة اسمه معاذ من أسرة شهيرة بأم درمان، وعندما فشل البوليس في إبراز الأدلة أثناء الخمسة عشر يومًا المسموح بها، رفض القاضي محمد صالح تجديد أمر الاعتقال. اللافت أن المصوغات الذهبية لقتيلة الكوشة اختفت أيضًا مثلما حدث لعشة، مما جعل الناس يرددون قصة الفيلم المصري ريا وسكينة.
مداخلة الصالح مباركي — أبو رنات والاستفزاز والبينات الظرفية
والله أثرت شجوني وأنت تذكر هذا العلامة محمد أحمد أبو رنات، فهو بالفعل من أعظم رجالات القانون، ولا يقل عظمة عن اللورد دينينج واللورد أتكين وهوجان وسميث. وقد كنت أعد دراسة مقارنة عن «الاستفزاز المفاجئ الشديد» Sudden Grave Provocation، وكان أكثر عون لي ما تركه من إرث غني وسوابق عزيزة في هذا الدفع.
كما لا ننسى خروجه الخلاق على بعض سوابق القانون الإنجليزي لعدم تماشيها مع البيئة السودانية، وأظنك تتذكر موقفه من The M'Naghten Rules الخاصة بدفع الجنون، حيث رأى بأن مقولة:
that a person may be 'insane' if at the time of the committing of the act, the party accused was laboring under such a defect of reason, arising from a disease of the mind, as not to know the nature and quality of the act he was doing, or, if he did know it, that he did not know what he was doing was wrong.لا ينبغي الأخذ بها على إطلاقها، إذ لا بد من أخذ الظروف الموضوعية بعين الاعتبار، وأن الجنون بالمعنى الطبي ليس بالضرورة هو الجنون المعتبر قانونًا، وهو نفس الرأي الذي أخذت به المحكمة النيجيرية.
شوف الذكاء المتقد والحضور القانوني اللماح. أعتقد أن السؤال الذي وجه للخبير ينم عن عقلية قانونية جبارة، لذلك لا مشاحة أن يأتي الـCross بهذا الذكاء. وأجد نفسي متفقًا مع القاضي في عدم ميله للإدانة لأن القضية من الواضح قد بُنيت على بينات ظرفية، وفي هذا الصدد يقول اللورد دينينج:
The jury should always be warned against conviction solely based on circumstantial evidence.تلك كانت حقبة زمنية جميلة، وكان لنا قضاء نفاخر به وبتراثه، وعلى العكس من حال القضاء الآن حيث إن بعض القضاة يصدرون منطوق أحكام وقرارات تجعل أبو رنات واللورد دينينج يتململان في قبريهما.
مداخلة الطيب شيقوق — مبدأ الجار وEgg-shell Skull والرجل العاقل
أخي الفتوحي، كتاباتك صادفت عندي هوى. كنت أبحث عن منبر لأكتب فيه عن ذكريات اللورد دينينج واللورد Atkin، وأظنك تتذكر The Neighbour Principle ومبدأ Who then is my neighbour، وأظنك تتذكر الـEgg-shell Skull.
Egg-shell skull principle says a defendant must take his victim as he finds him. So if a person negligently injures someone by running them over, for example, they cannot complain if the injuries they have caused turn out to be more serious than expected because the victim suffered from a pre-existing weakness such as an unusually thin skull or a weak heart.في إحدى السوابق، حيث إن رجلًا سريع الانفعال والعصبية قد قتل زوجته إثر توهمه استفزازها له، وعلى الرغم من أن أكثر من خمسة شهود قد شهدوا بصفاته الانفعالية تلك، إلا أن أبو رنات رفض تغيير وصف الجريمة من قتل عمد إلى قتل شبه جنائي، وطبق قاعدة الـReasonable Man، حيث جاء في حيثيات حكمه:
The fact that the accused was short tempered was completely irrelevant as a reasonable person in the shoes of the accused wouldn't have acted the same way the accused did.وعلى الرغم من أن الـReasonable Man شخصية افتراضية، إلا أنها أثارت جدلًا حول معايير تحديدها: هل هي معايير شخصية أم موضوعية؟ ومع ذلك أجمع معظم المشتغلين من أهل القانون على المعيار الموضوعي الذي يعرفه علماؤه:
A hypothetical person who exercises those qualities of attention, knowledge, intelligence and judgment which society requires of its members for the protection of their own interest and the interests of others. The phrase does not apply to a person's ability to reason, but rather the prudence with which he acts under the circumstances.في الحقيقة نلاحظ بأن المعيار موضوعي، كما يتجلى ذلك أيضًا في تعريف اللورد دينينج الذي ذهب إلى أن الـReasonable Man هو الرجل المهذب الحذر الذي لا يقطع الشارع والإشارة حمراء، والذي يطرق الباب ولا يدخل قبل أن يؤذن له بذلك.
أذكر في السابقة القضائية الشهيرة بـ«ليلة بن بليلة»، وأعتقد هو إما من بيئتكم أو بيئتنا نحن، كان سارحًا بأبقاره والقطر جاء مارًا ودهس البقرات، وزولك على طول طلع الحربة وركبها ليك في أمعاء سواق القطر الذي فارق الحياة فورًا.
This is what expected to be done by the reasonable man.فهنا تم إعمال المبدأ الموضوعي Objective Test، لأن الإنسان العادي من بيئة المتهم تمثل له هذا المشهد استفزازًا شديدًا ومفاجئًا. ولا أحسب سيطبق نفس المعيار لو كان القاتل أنت أو أنا، لأننا بحكم تدريبنا سنحاكم بمعايير أخرى تقضي بنا إلى الإعدام.
مداخلة جلال ناصر
الأحباب الطيب والفاتح، نتابع ما تكتبون باستمتاع شديد، وقد أتدخل على استحياء لاحقًا. تحية.
مداخلة الطيب شيقوق — استقلال الفقه السوداني وقضية قطران
صحيح أخي الفاتح لأن قضاءنا كان سجله واضحًا ونقيًا وظاهرًا، وفي هذا السياق لا أنسى ما قاله أحد قضاتنا المخضرمين:
We are guided but not bound by the English law.خالدة في ذاكرتي قضية قطران الشهيرة يا الفاتح، وهي القضية التي رفعها القاضي قطران ضد بلدية الخرطوم عندما سقط هذا القاضي على بلاعة لم تكن وقتها مضاءة وانكسرت رجله، وقد أقام دعوى قضائية أساسها المسؤولية التقصيرية مطالبًا فيها بالتعويض عما أصابه من ضرر، بما فيه التعويض عن فقدان مباهج الحياة. لقد كانت هذه من السوابق Locus Classicus Case التي أثرت الساحة القانونية بكثير من الفقه القانوني.
سياق حكم محكمة الاستئناف في قضية قطران
COURT OF APPEAL
KHARTOUM MUNICIPAL COUNCIL vs. MICHEL COTRAN
AC-Appeal-31-1958
Principles
Highways — Drain adjoining highway — Whether part of highway — Duty to users of highway.
Statutory Authority — Local Government Ordinance 1951 — Discretionary powers to provide drains — Unlit, unguarded drain — Whether danger — Whether local authority under duty to give warning of danger.
Negligence — Duty to users of highway — Standard of care — Contributory negligence — Apportionment — Law Reform Contributory Negligence Act 1945.
Damages — Quantum of damages — Appellate court — Grounds for interference with finding of Lower Court — Irrelevant factors — Effect of injury to foot on calling a Judge or Advocate-General — Damages — Unreasonable award.
Held
The author of a danger immediately adjoining a public highway owes a duty of care to lawful users of the highway, whether or not the danger is in law part of the highway.
The immunities attaching to a private owner who dedicates a highway to the public do not extend to Public Authorities acting in pursuance of statutory powers or duties.
An unlit, uncovered and unguarded drain 2.5 metres deep immediately adjoining a highway does not constitute an insignificant danger to which the defence de minimis non curat lex can apply.
The power given to the Council was permissive and discretionary, but there was nothing in the Ordinance or warrant to override the Common Law presumption that the power when exercised should be exercised with due care. The Appellant owed a duty to users of the highway and having failed to exercise reasonable care was liable in negligence.
According to the principles laid down by the Law Reform Contributory Negligence Act 1945, the Respondent was contributorily negligent to the extent of 50 per cent, and damages should be reduced by that amount.
The question of damages is a matter to be fixed by local considerations, and English and other foreign cases should not be taken as guides. An appellate court should not interfere with the award of the court below except where there was a mistake of law as to the factors properly to be taken into account, or where the amount was such as no reasonable court would have awarded.
The Lower Court was wrong in taking into account the personal history of the Plaintiff in assessing damages arising from an injury; the effect of the injury on his calling as Judge or Advocate was too negligible to be considered.
The award of general and special damages was reduced by 50 per cent for contributory negligence.
مداخلة سيف الدولة حمدنا الله عبد القادر
الأخوان الطيب شيقوق والفاتح، كم تمنيت أن أرى مثل هذا بالمنبر. لقد استطاع الأخ الفاتح ملامسة الموضوع بأسلوب رشيق ومقدرة فائقة في التعبير. عمومًا سوف نسهم بما لدينا من معلومات، لا سيما حالة الجلالين وما قبلهما، فهي فترة عايشناها من داخل الهيئة القضائية.
ولا تقتصر عظمة رجال القضاء على أمثال مولانا أبو رنات عليه الرحمة، فالشباب الذين يمضون بفعل الإنقاذ بسرعة البرق نحو الكهولة مطرودين ومطاردين، من أمثال القاضي عبد القادر محمد أحمد وبشير معاذ وطه سورج، والقائمة طويلة، كانوا امتدادًا طبيعيًا للإرث القضائي الذي تحكون عنه لولا أمثال الجلالين وأحمد يزيد وقائمتهم الأخرى أطول.
مداخلة الفاتح ميرغني — استقالة القاضي عبد القادر محمد أحمد
الأخ العزيز سيف الدولة، بالفعل من ذكرتهم كانوا امتدادًا طبيعيًا للإرث الفني والمبدع الذي ظللنا نفاخر به. كما أذكر بأن القاضي عبد القادر محمد أحمد، عندما بدأ بغريزته الثاقبة البصر والبصيرة يشعر بأن مساحة الحريات قد ضاقت، وأن ليلًا بهيمًا قد أوشك أن يلقي بسدله على سماوات السودان، وأن حزام عفة القضاء يتعرض للتمزق، قدم استقالته التي تعتبر من المأثورات في أدب الاحتجاج، ولا تقل في قيمتها الأدبية وعظمتها عن الـMagna Carta التي أجبرت طبقة النبلاء الملك جون على توقيعها عام 1215.
سابقة قضية نجمة — حكومة السودان ضد حسن
محكمة الاستئناف — حكومة السودان ضد حسن — رقم 243/1970
المحامي: الحاج الطاهر أحمد عن المتهم
رئيس القضاء: عثمان الطيب
تاريخ القرار: 19 أغسطس 1970
انعقدت المحكمة الكبرى في الأبيض برئاسة القاضي الجزئي زكريا أحمد بين يومي 12 أبريل و9 مايو 1970 لمحاكمة المتهم، متهمًا بأنه في يوم 2 أغسطس 1969 بالأبيض طعن زوجته نجمة بشير محمد الفقير بسكين في صدرها وسبب وفاتها، وبذلك يكون مرتكبًا جريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات. أدانته المحكمة تحت هذه المادة وحكمت عليه بالإعدام.
وينتمي المتهم والمتوفاة إلى قبيلة واحدة، وكل واحد منهما ابن عم الآخر، وتزوج المتهم بابنة عمه المتوفاة من قبل حوالي عشر سنوات، وظلوا يعيشون بين المجلد والفولة ولقاوة ويقومون بزيارات للأبيض. تزوج المتهم بزوجة ثانية، وتزوج بثالثة في حوالي 1968، وبطبيعة الحال ضاقت المتوفاة ذرعًا بهذه الزيجات المتعددة ولم ترض عن زوجها وصارت تشعر بتعاسة معه. ونشأت بينهما الخلافات التي أدت في مرة من المرات إلى الطلاق الذي أعادها بعده إلى عصمته، ويبدو أنها أصبحت تفكر جديًا في الابتعاد عنه.
يظهر أنها في إحدى سفراتها إلى الأبيض تعرفت على شاب يدعى يوسف عباس، شاهد الاتهام الخامس، وانسجمت معه في علاقة حب، وأصبحا يتبادلان خطابات الحب. أول رسالة عثر عليها مرسلة من الأبيض ومؤرخة 29 يونيو 1968، ويسمي نفسه فيها «أختك المشتاقة سلمى»، وبعد التحية والأشواق يقول لها فيها: تسلمت منذ يومين رسالتك التي انتظرتها، والحق يقال لقد أعادت الطمأنينة إلى قلبي كما أعاد قميص يوسف البصر إلى عيني والده.
وينهي الخطاب بالأبيات:
لكِ في خيالي روضة فينانة… على أغصانها شاديها>
يحمي مغارسها ويرعى نبتها… راعٍ يجنبها البلى ويقيها>
فإذا النوى طالت عليّ وشفتي… جرحى وعاد لمهجتي بدميها>
نسق الخيال زهورها وورودها… فقطفتها وتشممت عطرك فيهاورسالة أخرى مؤرخة 19 نوفمبر 1968، مذيلة بعبارة «المخلص إلى الأبد أنا»، يقول فيها: أريد أن أكتب شيئًا منمقًا كعبارات القصص ولكني لا أجد أبلغ من الكلمة السهلة «أحبك» عندما تنبع من أعماق القلب. ويذكر لها أنه عرف بقصة طلاقها، ويعلق عليه بأن المولى أنقذها من حسن، وإنه سعيد لهذه النهاية. ويختم الرسالة:
سأظل بعدكِ للسجون وللعذابات الأخر>
أقتات بالذكرى الحبيبة إذ تعاودني الذكر>
إن اتجهت أو التفت أرى خيالكِ في الأثروظهرت في إجراءات القضية رسالة من نجمة إلى يوسف، وهي ليست مؤرخة، ولكن يبدو أنها كانت قبل رسالة يوسف المؤرخة 18 ديسمبر 1968، إذ إنها ذكرت فيها اقتران حسن بزوجة ثالثة والطلاق. وهي تبدأ بأبيات من الشعر أولها:
أستخير الشمس كلما طلعت… وأسأل البرق عنكم كلما لمحاوآخرها:
لا تحسبوا أنني بالغير مشتغل… إن الفؤاد يحب الغير ما وسعاوتكتب له رسالة أخرى مؤرخة 15 مارس 1969 ترسلها نجمة لعزيزها، تبدأ بالقبلات الحارة وتتألم لما هي فيه من عذاب نفسي، وتؤكد له أنها ستأخذ استقلالها كاملًا شاملًا في القريب. وتنفيذًا لهذا التفكير اشتغلت نجمة موظفة آلة كاتبة في وكالة عروس الرمال للسياحة بالأبيض ابتداءً من يوم 7 يوليو 1969.
وكان حسن قد أرسل خطابًا وبرقية يستعجلها الرجوع، وقالت له في خطابها الأخير المؤرخ 27 يوليو 1969 إن شكوكه فيها لا محل لها، واسترسلت في قصيدة «الحب والبترول» للشاعر نزار قباني، نقلت منها المحكمة:
متى يا سيدي تفهم بأني لست واحدة من صديقاتك>
ولا فتحًا نسائيًا يضاف إلى فتوحاتك>
أبا جملًا من الصحراء لم يلجم>
بأني لن أكون هنا رمادًا في سيجاراتك>
ولا رأسًا بين آلاف الرؤوس في مخداتك>
ونهدًا فوق مرمرة تسجل شكل بصماتك>
يا سيد انفعالاتك>
ومن صارت الزوجات بعضًا من هواياتك>
تكنسهن بالعشرات في جدران صالاتك>
متى تفهم؟>
كهوف الليل في المجلد قد قتلت مروءاتك>
وأنت صريع شهواتك>
تنام كأن المأساة ليست مأساتك>
متى تفهم؟ متى يستيقظ الإنسان في ذاتك؟وكان وصول هذا الخطاب يوم الخميس. وما أن قرأه حسن إلا واستعد للسفر إلى الأبيض، التي وصلها يوم السبت، وذهب للمكتب ودخلوا مكتب وكالة السياحة، ووجه حسن السؤال لصاحبها عن كيف شغلوا نجمة عندهم امرأة بدون موافقة زوجها. وانفعل وهدد وأخذ يكسر أثاث المكتب، وهنا خرج صاحب الوكالة لكي يبلغ البوليس، ولكن حسن ونجمة وجدا أنه خرج قبل حضور البوليس وذهبا إلى منزل حاج يوسف.
وقال حسن إنه لم يشرب شايًا منذ أيام وطلب عمل شاي، وخرجت نجمة لتذهب إلى منزل جدتها لأن ملابسها وأمتعتها كانت هناك. ولحق بها حسن ودخلا معًا في الحجرة وجلسا معًا، وفجأة قام حسن وطعنها وهي استلقت في السرير. وخرج حسن وهو يحمل السكين وجلس تحت شجرة، وقبل أن يمسكوه طعن بها نفسه ووقع على الأرض.
رواية حسن تقول إنه اقترح عليها أن يحضر مصحفًا لتحلف عليه بأنها ستقطع علاقتها مع يوسف. وأقواله أمام المتحري عقب الحادث مباشرة قالت إنه أحضر مصحفًا وطلب منها أن تحلف أنها تترك يوسف ولا تكون لها علاقة معه، وأنها ردت أنها ستحلف أنها ستتركه ولكن ليس كليًا، وقال إنه هنا أخرج سكينه وطعنها.
قررت محكمة الاستئناف العليا تأييد حكم الإعدام بناء على المبدأ التالي:
إن الاستفزاز لم يكن مفاجئًا في وقت ارتكاب الجريمة، وسلوك نجمة بالرغم مما وجدته من حسن من سوء المعاملة كان سلوكًا مستحقًا للملامة والمذمة، ولكنه لم يكن مصدر استفزاز شديد ومفاجئ بحيث يثور فيه شعور حسن بالدرجة التي تفقده السيطرة على نفسه إلى أن يصل إلى قتلها، وعليه أؤيد الحكم عليه بالإعدام.ورقة بحثية مصاحبة — قضية محمود محمد طه بين محكمتين
بقلم: عادل الأمين
في 25 فبراير 1986، وبعد انتفاضة أبريل 1985 التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق جعفر نميري، رفعت أسماء محمود محمد طه عريضة دعوى تطالب بإعلان بطلان إجراءات المحاكمة التي تمت للأستاذ محمود محمد طه، والتي قضت بإعدامه بتهمة الردة. ورفعت الدعوى ضد حكومة جمهورية السودان إلى المحكمة العليا، الدائرة الدستورية، وتم نظرها بواسطة القضاة: محمد ميرغني مبروك رئيسًا، هنري رياض، فاروق أحمد إبراهيم، حنفي إبراهيم محمد، زكي عبد الرحمن، محمد حمزة الصديق، ومحمد عبد الرحيم.
وكانت هيئة الدفاع مكونة من السادة المحامين: عبد الله الحسن، عابدين إسماعيل، وإبراهيم جريس. وطلبت المحكمة من النائب العام السيد عمر عبد العاطي، باعتباره ممثل الحكومة، أن يرد على مذكرة الادعاء، فجاء رده كالآتي:
نقر بأن المحاكمة لم تكن عادلة ولم تتقيد بإجراءات القانون.
إن المحاكمة إجهاض كامل للعدالة والقانون.
لا نرغب في الدفاع إطلاقًا عن تلك المحاكمة.
وبعد المداولات جاء قرار المحكمة العليا الذي أبطل الحكم الأول، وجاء فيه:
إن محكمة الاستئناف أخفقت في ممارسة سلطتها على نحو كان يستحيل معه الوصول إلى حكم عادل تسنده الوقائع الثابتة وفقًا لمقتضيات القانون، ويكشف عن حقيقة واضحة هي أن المحكمة قد قررت منذ البداية أن تتصدى بحكمها لفكر المتهمين وليس لما طرح أمامها من إجراءات قامت على مواد محددة في قانون العقوبات وأمن الدولة.وقررت الدائرة الدستورية إعلان بطلان الحكم الصادر في حق المواطن محمود محمد طه من المحكمة الجنائية ومحكمة الاستئناف.
وقد سأل عادل الأمين خلف الله الرشيد، رئيس القضاء الأسبق، عن الأسباب الحقيقية، فبادر إلى التأكيد على بطلان الحكم الأول، وأوضح أن رأيه بأن الأستاذ حوكم بتهمة لم تكن موجودة في القانون الجنائي السوداني وقتها، وهي تهمة الردة، وأن القاضي اجتهد رأيه في توجيه التهمة وليس من حقه أن يفعل ذلك، وأن المحكمة الشرعية التي نظرت في القضية لم يكن ذلك من اختصاصها، حيث كان موكولًا لها النظر فقط في قضايا الأحوال الشخصية.
مداخلة محمد علي طه الملك — علاقة الفرد بالسلطة
عبر العلماء عن علاقة الفرد بالسلطة بمصطلح «النظام السياسي»، أي النظام الذي يدير علاقة الفرد بالهيئة الحاكمة، الحكومة والسلطة صاحبة السيادة أي الدولة، وذلك ضمن قواعد تبين أسس الحكم وتوزيع السلطات وشؤون الحكومة وشكلها.
وعليه يمكن تعريف الحكومة بأنها مجموعة الوسائل والأجهزة والأشخاص الذين تمارس الدولة بواسطتهم سلطتها واختصاصاتها، أما الدولة فهي الجسم المعنوي والرمز الحامل لقيم سيادة وسلطة المجتمع على أرضه.
وتتأرجح نظريات مشروعية العلاقة بين السلطة والمجتمع في الفكر الدستوري بين حالات ثلاث:
الحالة الأولى
يعلي المفسرون فيها مقام الفرد على السلطة، ويمنحونه قدرًا واسعًا من الحرية بحيث تبدو السلطة مطية وخادمة لحريته. وهؤلاء عرفوا بأنصار المذهب الفردي، ومن تطبيقاتها الدولة الرأسمالية.
الحالة الثانية
يعلي المفسرون فيها شأن السلطة إلى القدر الذي تنتفي معه حقوق الأفراد. فالسلطة مقدمة يجب أن يخضع لها الأفراد خضوعًا تامًا، لأنها تستمد قوتها ومشروعيتها من ذات مقدسة هي الذات الإلهية. وهؤلاء هم أنصار المذهب الثيوقراطي ودولتهم الدينية.
الحالة الثالثة
وهي حالة وسطى بين الحالتين السابقتين، فلا الفرد كامل الحرية ولا السلطة مطلقة اليد والغايات. وهؤلاء هم أشياع المذهب الاجتماعي، وتفرعت عنهم مدارس متعددة لها تطبيقاتها بين كثير من دول العالم المعاصرة.
خاتمة الملف
هذا السجل ليس مجرد مقال منفرد، بل وثيقة حوارية في تاريخ القضاء السوداني، تجمع النقد المؤسسي، والذاكرة القضائية، والسابقة القانونية، والشهادة المهنية، والأدب، واللغة القانونية العربية والإنجليزية في مساحة واحدة.
وفقنا الله في خدمة الأدب والقانون.
التعليقات المنشورة
0