✦ إهداء الافتتاح

بمناسبة الافتتاح الرسمي لمكتبة المستشار الطيب مضوي شيقوق، أهدي هذا الفضاء إلى والدي العزيز؛ ليكون بيتًا لمقالاته، وذاكرةً تحفظ كلماته، ومنبرًا ينشر جديده، وهديةً مفتوحة لكل قارئ كريم. — الصديق الطيب

الرجوع إلى الصحافة الحديثة
الصحافة الحديثةنص كامل مؤرشفاقتصاد وحوكمة وإصلاح مؤسسي

كسر حلقة إدمان الفشل: حوار في معنى الإصلاح الممكن

بقلم: الطيب مضوي شيقوقالنشر: 6 أبريل 2026م - 7:50 صباحاالمصدر: 5Ws-News

تعقيب يربط تشخيص «إدمان الفشل» بالإصلاح البنيوي، وإعادة بناء سوق الأوراق المالية، وتحويل الشركات العائلية إلى كيانات مؤسسية تقوم على الشفافية والمساءلة.

حين طرح بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم تساؤالته حول ما سماه — استلهاما لعبارة الدكتور منصور خالد — «إدمان الفشل»، لم يكن يقدم وصفا اقتصاديا مجردا، بل كان يفتح بابا لنقاش أعمق حول طبيعة الأزمة السودانية نفسها: هل هي أزمة سياسات، أم أزمة بنية، أم أزمة طريقة تفكير في إدارة الدولة والاقتصاد معا؟

يذهب التحليل الذي قدمه إلى أن الاختلال لم ينشأ من نقص الموارد، وال حتى من غياب المعرفة، بل من ضعف الاتساق بين السياسات، وغياب الرؤية طويلة المدى، وتداخل المصالح بين الدولة والسوق، بحيث أصبحت الحلول المؤقتة بديال دائما عن الإصلاح الحقيقي. وهو تشخيص يصعب الاختلاف معه، لأن التجربة السودانية تكاد تؤكد أن الأزمات لم تكن تنتهي، بل كانت ترحّل من مرحلة إلى أخرى.

غير أن هذا التشخيص يثير سؤالا مكملا: إذا كان المرض بنيويا، فأين تبدأ المعالجة عمليا؟

هنا يبرز جانب ربما لم يحظ بالقدر الكافي من النقاش، وهو موقع المؤسسات الاقتصادية الوسيطة في مشروع الإصلاح، وعلى رأسها سوق الأوراق المالية. فالإصلاح البنيوي ال يتحقق فقط عبر السياسات الكلية أو إعادة ترتيب أدوار الدولة، بل عبر بناء منصات مؤسسية قادرة على تنظيم رأس المال الوطني نفسه.

لقد ظل الاقتصاد السوداني، في جانب كبير منه، اقتصادا خارج الإطار المؤسسي؛ رؤوس أموال تعمل في دوائر مغلقة، وشركات ناجحة لكنها محصورة داخل بينات عائلية، ومدخرات وطنية تبحث عن مالذات آمنة خارج الاقتصاد المنتج. وفي غياب سوق رأس مال فعال، بقيت العالقة بين الادخار والاستثمار عالقة غير مكتملة.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة سوق الأوراق المالية بوصفه أداة إصلاح بنيوي ال مجرد مؤسسة مالية. فهو المكان الذي تتحول فيه الثقة إلى أرقام، والشفافية إلى التزام قانوني، والإدارة إلى مسؤولية أمام مساهمين ال أمام دائرة ضيقة من المالك.

لكن إعادة تأهيل السوق تتطلب، كما يشير منطق الإصلاح الذي طرحه المقال، تجاوز الأدوات التقليدية. فالتشريعات التي تركز على الضبط وحده قد تحمي السوق نظريا لكنها تضعف نموه عمليا. والإصلاح الحقيقي يقتضي تشريعات مرنة محفزة، تجعل الإدراج خيارا جاذبا ال مخاطرة غير محسوبة.

وتتجلى أهمية ذلك خصوصا في تشجيع تحول الشركات العائلية إلى شركات مساهمة عامة. فهذه الشركات تمثل الطاقة الاقتصادية الكامنة في البلاد، لكنها تتردد في الانفتاح خوفا من فقدان السيطرة على القرار. وهنا يصبح التوازن التشريعي ضرورة: فتح باب الملكية العامة مع السماح للمؤسسين بالاحتفاظ بنسبة تمكنهم من الاستمرار في توجيه الشركة وصنع قرارها الاستراتيجي.

إن مثل هذا الترتيب ال يناقض مبادئ السوق، بل يعززها؛ إذ أثبتت تجارب عديدة أن استقرار القيادة الإدارية يشجع الإدراج بدل أن يعيقه، ويخلق انتقالا تدريجيا من الاقتصاد الشخصي إلى الاقتصاد المؤسسي.

وبهذا المعنى، فإن الأسئلة التي طرحها بروفيسور بدر الدين حول بناء التوافق الوطني وإصلاح الحوكمة تجد أحد تطبيقاتها العملية في إعادة بناء سوق رأس المال. فالإصلاح ال يصبح مستداما إال حين تتحول مبادئ الشفافية والمساءلة من شعارات سياسية إلى ممارسات يومية داخل المؤسسات الاقتصادية.

فكسر حلقة «إدمان الفشل» ال يبدأ فقط بالاعتراف بالأزمة، بل ببناء مؤسسات تجعل تكرار الفشل أكثر صعوبة من النجاح نفسه. وعندما يصبح الاستثمار قائما على قواعد واضحة، وتتحول الشركات إلى كيانات عامة خاضعة للإفصاح، فإن الاقتصاد يبدأ تلقائيا في إنتاج الاستقرار الذي تبحث عنه السياسة.

وهكذا يبدو الإصلاح البنيوي، كما يلمح إليه الحوار غير المعلن بين التشخيص النظري والتجربة العملية، مسارا تراكميا ال قرارا مفاجئا؛ مسارا يبدأ بإعادة تنظيم رأس المال الوطني، وينتهي بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع — وهي الثقة التي ال تقوم دولة بدونها.

نص كامل مؤرشف من نسخة PDF المرفوعةفتح المصدر الأصلي

تعليقات القرّاء

اكتب تعليقك على هذا الموضوع. لن يُنشر إلا بعد مراجعة إدارة المكتبة.

التعليقات المنشورة

0

جارٍ تحميل التعليقات…