اعترافات الإنجليز: السودان غلطة تاريخية دفعت ثمنها الشعوب
مقال يناقش نشأة حدود الدولة السودانية وسياسات الإدارة البريطانية تجاه الجنوب وجبال النوبة والنيل الأزرق، ويعرض رؤية نقدية تدعو إلى إعادة تأسيس الشرعية على إرادة الشعوب وحق تقرير المصير.
بناء الدولة المستحيلة: قراءة في المذكرات الإدارية الإنجليزية عن فشل التجربة السودانية
فكرة الهروب من الحقيقة: كيف أن النخب السودانية لا تزال تصر على قدسية الحدود الاستعمارية رغم اعتراف المستعمر نفسه بأنها حدود غير منطقية ولم تُبنَ على استفتاء شعبي.
اعترافات المستعمر: السودان بحدوده الحالية غلطة تاريخية ترفض الشعوب مواجهتها.
السير دوغلاس نيوبولد كان واحدًا من أخطر وأهم العقول الإدارية البريطانية التي صاغت شكل السودان الحديث قبل الاستقلال. شغل منصب السكرتير الإداري للسودان من 1939 إلى 1945، وهو بمثابة الرئيس التنفيذي الفعلي للبلاد تحت حكم الاستعمار البريطاني. كان هو المسؤول الأول عن رسم السياسات الداخلية والتعامل مع القبائل.
كان نيوبولد مؤمنًا بشدة بأن السودان لا يمكن حكمه كدولة مواطنة حديثة، بل يجب حكمه عبر الزعامات القبلية. وهو من ثبّت نظام الحواكير، ومنح الشيوخ والنظار سلطات إدارية وقضائية واسعة.
في أوراقه ومقالاته، التي جُمعت لاحقًا في كتاب The Making of the Modern Sudan، كان يرى أن السودان اتحاد قسري. وكان يعتقد أن كردفان ودارفور، مثلًا، لهما طبيعة تختلف تمامًا عن وادي النيل، وأن محاولة صهرهما في دولة واحدة ستفشل. وهو من روّج لفكرة أن السودان مجموعة دول، وليس أقاليم، يجب أن تُدار بشكل منفصل.
توفي نيوبولد في الخرطوم عام 1945، قبل الاستقلال بسنوات قليلة. ويرى مؤرخون أن وفاته عجّلت بانهيار الرؤية البريطانية الحذرة، وتسببت في توحيد السودان كدولة واحدة.
بعد وفاة السير دوغلاس نيوبولد المفاجئة في الخرطوم عام 1945، خلفه في منصب السكرتير الإداري للسودان السير جيمس روبرتسون، وهو الرجل الذي قاد السودان فعليًا حتى لحظة الاستقلال في 1956.
روبرتسون هو الشخصية المحورية التي حوّلت مقترحات التقسيم إلى وحدة قسرية؛ الرجل الذي وحّد السودان على عجل. فبينما كان نيوبولد يميل إلى تقسيم السودان إلى دول والحفاظ على المناطق المقفولة — جنوب السودان، وجبال النوبة، وأجزاء من النيل الأزرق — اتخذ روبرتسون قرارًا تاريخيًا في مؤتمر جوبا 1947 بدمج الجنوب مع الشمال.
الدافع لم يكن حبًا في الوحدة، بل لمنع مصر من السيطرة على السودان، حيث رأى أن توحيد السودان تحت سلطة النخبة الشمالية في الخرطوم هو الضمان الوحيد لبقاء السودان بعيدًا عن التاج المصري.
روبرتسون هو من أشرف على عملية السودنة، أي تسليم الوظائف للسودانيين. وبدلًا من توزيع السلطة على الأقاليم، سلّم المفاتيح بالكامل لخريجي كلية غوردون في الخرطوم.
في مذكراته التي نشرها لاحقًا بعنوان Transition in Africa، اعترف روبرتسون بأن الوحدة التي صنعها كانت هشة، وأن توحيد البلاد دون اعتبار لتنوع الأقاليم كان مخاطرة كبرى أدت إلى تمزيق السودان.
والذي ألغى قانون المناطق المقفولة رسميًا هو السير جيمس روبرتسون، بصفته السكرتير الإداري، في عام 1947، بعد وفاة نيوبولد الذي كان متمسكًا بعزل الجنوب والمناطق المقفولة.
جاء روبرتسون ووجد أن بريطانيا لا تستطيع الاستمرار في عزل الجنوب إلى الأبد. وعُقد مؤتمر جوبا في يونيو 1947، وفيه أعلن إلغاء سياسة المناطق المقفولة ودمج الجنوب مع الشمال إداريًا وسياسيًا.
الهدف الحقيقي لم يكن الوحدة الوطنية، بل كان البريطانيون يخشون من أن وقوع السودان تحت نفوذ مصر، في عهد الملك فاروق، سيجعلهم يفقدون السيطرة على منابع النيل. فرأوا أن دمج الجنوب مع الشمال تحت النخبة السودانية سيخلق كتلة تناهض الوحدة مع مصر.
كانت التقارير الاقتصادية البريطانية في الأربعينيات تشير إلى أن الجنوب عبء مالي، وليس أصلًا اقتصاديًا. في ذلك الوقت لم تكن هناك طرق أو سكك حديدية أو مشاريع زراعية كبرى مثل مشروع الجزيرة في الشمال. وكانت ميزانية إدارة المديريات الجنوبية تُغطى من فائض إيرادات الشمال، ما جعل البريطانيين يعتقدون أن الجنوب لن يستطيع العيش كدولة مستقلة.
كما رفضت شرق أفريقيا — أوغندا وكينيا — ضم الجنوب. فقد فكرت بريطانيا بالفعل في ضم جنوب السودان إلى أوغندا أو كينيا، باعتبارهما مستعمرتين من مستعمرات شرق أفريقيا، ولكن هذا المقترح فشل لعدة أسباب.
رفض حكام شرق أفريقيا البريطانيون الفكرة لأنهم كانوا يواجهون مشاكلهم الخاصة، ولم يرغبوا في إضافة إقليم فقير ومضطرب ومساحته شاسعة إلى إداراتهم. كما أن أوغندا وكينيا لم تكونا تملكان الموارد المالية للإنفاق على تعليم وتطوير شعب جنوب السودان، الذي كان متأخرًا بمراحل عن جيرانه في شرق أفريقيا بسبب سياسة العزل.
ووجد المهندسون أن ربط جنوب السودان تجاريًا بمومباسا في كينيا، عبر الغابات والمستنقعات، أصعب بكثير من ربطه بالخرطوم عبر النيل.
وعندما أدرك البريطانيون أن شرق أفريقيا لن تقبل الجنوب الفقير، وأن بقاءه منطقة مقفولة مكلف جدًا، قرروا رميه في حضن الخرطوم.
وكانت هناك خطط ومقترحات بريطانية جدية لضم جبال النوبة والنيل الأزرق، أو أجزاء منهما، ومعاملتهما معاملة جنوب السودان تمهيدًا لفصلهما أو منحهما وضعًا إداريًا خاصًا بعيدًا عن سيطرة السودان النيلي.
اعتبر البريطانيون، خاصة في عهد دوغلاس نيوبولد، أن القبائل في جنوب كردفان تمتلك هوية أفريقية أصيلة تختلف عن الثقافة الإسلامية العربية. ولذلك تم إدراج جبال النوبة ضمن قانون المناطق المقفولة، ومنع تسلل اللغة العربية والإسلام إلى الجبال، وتشجيع التبشير المسيحي والتعليم باللغات المحلية أو الإنجليزية.
وجرى نقاش داخل الإدارة البريطانية حول ما إذا كان يجب ربط جبال النوبة إداريًا بالمديريات الجنوبية، ولا سيما أعالي النيل، بدلًا من مديرية كردفان، لتكون جزءًا من الكتلة الأفريقية التي قد تنفصل لاحقًا.
أما منطقة جنوب النيل الأزرق — الكرمك وقيسان وبني شنقول — فقد عوملت أيضًا كمنطقة مقفولة جزئيًا. وكان البريطانيون يرون أن هذه المناطق مناطق تماس بين حضارة الفونج القديمة وبين المجموعات العربية، وكانوا يهدفون إلى عزل المجموعات غير العربية، مثل الأنقسنا، لحمايتها من الاستيعاب في الثقافة العربية.
ورغم ضم جبال النوبة والنيل الأزرق إلى المناطق المقفولة، تراجع البريطانيون في اللحظات الأخيرة عن فصلهما لعدة أسباب. فقد وجدوا أن قبائل التماس، مثل المسيرية والحوازمة والرزيقات، متداخلة جدًا مع النوبة في مناطق الرعي، وأن فصل الجبال سيؤدي إلى حرب أهلية مبكرة بين الرعاة والمزارعين.
كما أدركت الإدارة البريطانية أن السودان يحتاج إلى هذه المناطق كمصدر للعمالة والزراعة المطرية، فقرروا تركها تابعة للشمال إداريًا، مع بقاء صفتها المقفولة ثقافيًا.
وبحسب جيمس روبرتسون، عندما أُلغيت القوانين المقفولة في 1947 وحدث الاستقلال في 1956، ورثت النخبة السودانية هذه المناطق وهي مهمشة تنمويًا، لأنها كانت مقفولة لمدد طويلة، ومختلفة ثقافيًا لأن السياسة البريطانية عززت خصوصيتها الأفريقية.
أما نيوبولد فكان يرى السودان من منظور أكاديمي وأنثروبولوجي. وفي أواخر أيامه، قبل وفاته في 1945، بدأت تظهر في رسائله الخاصة نبرة تشكك في جدوى الدولة الموحدة، والاعتراف بالخطأ. وأقر بأن سياسة المناطق المقفولة التي دعمها قد خلقت سودانين لا يمكن أن يلتقيا.
وكان روبرتسون براغماتيًا وعمليًا. وهو الذي ضغط لتوحيد السودان في مؤتمر جوبا 1947، لكنه كتب في مذكراته الشهيرة Transition in Africa اعترافات صريحة بأن السودان بوضعه الحالي كيان غير طبيعي.
ووصف السودان بالخديعة، واعترف بأن بريطانيا ورّطت الجنوبيين في الوحدة بوعود لم تكن تنوي أو تستطيع الوفاء بها. كما أقر بأن تسليم السلطة في 1956 كان سريعًا جدًا، ولم يراعِ الفوارق الكبيرة بين الأقاليم، وأنهم تركوا السودان وهو عبارة عن قنبلة موقوتة.
ما حدث من 1947 إلى 1956 لم يكن بناء دولة، بل كان تأجيلًا للانفجار. أُجبرت شعوب متباينة عرقيًا وثقافيًا وجغرافيًا على العيش تحت سقف واحد، والنتيجة سبعون عامًا من الحروب المتصلة التي لم توفر شبرًا واحدًا.
هذا الفشل ليس ذنب الحكومات فقط، بل هو ذنب التكوين؛ فالمركب الذي صُمم ليغرق سيغرق مهما كانت مهارة الربان.
السودان لم ينمُ كدولة طبيعية عبر قرون من الاندماج، بل تم تجميعه. وهذا التجميع القسري لشعوب وممالك متباينة لم يهدف إلى صناعة وطن، بل إلى صناعة منطقة نفوذ تخدم مصالح الخارج.
حذر الأجانب قديمًا من أن ثمن تشكيل السودان ستدفعه الشعوب، واليوم يدفعه البسطاء دمًا ونزوحًا وتشريدًا.
السودان الذي نعرفه انتهى، والاعتراف بأن التقسيم إلى دول مستقلة هو المخرج الوحيد ليس خيارًا سياسيًا، بل ضرورة إنسانية لوقف المذبحة. آن الأوان لنتحرر من غلطة نيوبولد وروبرتسون، ونعترف بأن هذا الكيان قد فشل في أن يكون وطنًا، وأن الحل ليس في ترميم الفشل، بل في شجاعة الانفصال لبناء كيانات طبيعية تحترم إنسانها وتاريخها الخاص.
إن التقارير والمذكرات التي تركها كبار المسؤولين البريطانيين، قبل الاستقلال وبعده، وكلامهم حول أن مشكلة السودان بدأت من فشل التأسيس، تقدم قراءة شديدة الصراحة في جذور الأزمة.
كان السير جيمس روبرتسون أكثر صراحة وواقعية في مذكراته الشهيرة. فقد اعترف بالفشل، واعترف صراحة بأن بريطانيا ارتكبت خطأً تاريخيًا بدمج جنوب السودان مع شماله في دولة واحدة.
وقال إن بريطانيا سلمت الجنوب للشمال وهي تعلم أن الفوارق الثقافية والدينية والاجتماعية هائلة، ما سيؤدي حتمًا إلى انفجار الصراعات.
وكانت رؤيته للحل تلمح إلى أن استمرار قانون المناطق المقفولة، أو منح حق تقرير المصير المبكر، كان يمكن أن يجنب البلاد الدماء، لكن الضغوط السياسية من مصر والنخب عجلت بالاستقلال المشوه.
أما نيوبولد فكان صاحب رؤية للسودان الجديد، ووصف السودان في رسائله بأنه دولة هشة. وحذر من أن السودان ليس أمة واحدة، بل فسيفساء من الأقوام، وأن محاولة حكمه كدولة واحدة ستؤدي إلى انهيار الدولة.
وكان من المدافعين عن سياسة عزل الأقاليم، مثل الجنوب وجبال النوبة والنيل الأزرق، ليس بقصد الاستعمار فقط، بل لاعتقاده أن هذه الشعوب تحتاج إلى تطوير هويتها الخاصة بعيدًا عن تغول الهوية العربية الإسلامية.
إن كلام نيوبولد وروبرتسون يؤكد أن الدولة السودانية بحدود 1956 هي بناء اصطناعي لم يُبنَ على تراضٍ شعبي. وكان روبرتسون يرى أن الاستقلال جاء قبل أوانه، وأن الدولة ستفشل لأنها تفتقر إلى الانسجام الوطني.
وإذا كان هؤلاء المؤسسون الأجانب قد تنبأوا بالفشل، فإن حق تقرير المصير الشامل هو العودة لتصحيح ذلك الخطأ التاريخي الذي أشاروا إليه.
وبينما غادر البريطانيون السودان وهم يكتبون في مذكراتهم الخاصة أن هذا البناء لن يصمد، ظل السودانيون لسبعة عقود يطاردون سرابًا يسمى الوحدة الجاذبة.
لقد اعترف جيمس روبرتسون صراحة بأن الدولة التي صممها الإنجليز كانت كيانًا اصطناعيًا وُلد ليفشل. ومع ذلك لا تزال النخب في الخرطوم والأقاليم تخشى مواجهة الحقيقة الوحيدة التي قد توقف نزيف الدم: حق تقرير المصير الشامل.
إن الاستمرار في محاولة إصلاح دولة الغلطة هو تكرار للفشل، والشرعية الحقيقية لا تأتي من حدود رسمها المستعمر، بل من إرادة الشعوب في اختيار مصيرها، حتى لو كان ذلك يعني الطلاق بسلام بدل العيش في جحيم.
الشرعية المستعارة من حدود 1956 هي أصل الداء؛ فالدولة التي لا تقوم على الرضا الحر لسكانها تظل دولة إكراه، وليست دولة عقد اجتماعي.
لطالما تغنت النخب السودانية بحدود المليون ميل مربع وكأنها نص مقدس، بينما الحقيقة الصادمة تقبع في مذكرات مهندسي الاستعمار البريطاني أنفسهم.
لقد اعترف جيمس روبرتسون، آخر سكرتير إداري، صراحة بأن السودان بحدوده الحالية كان كيانًا اصطناعيًا صُنع في دهاليز السياسة ولم يُبنَ على تراضٍ شعبي، مؤكدًا أن دمج أقاليم متباينة قسريًا كان مقامرة بمستقبل الشعوب.
لماذا حق تقرير المصير الشامل هو الحل الوحيد؟
أولًا: تأسيس الشرعية من الصفر. كل الحكومات التي تعاقبت منذ 1956 تفتقر إلى الشرعية الحقيقية، لأنها كانت تحكم أقاليم مُلحقة بالمركز بقوة السلاح. وحق تقرير المصير يحول الوحدة القسرية إلى اتحاد اختياري أو انفصال آمن، وفي كلتا الحالتين تولد شرعية حقيقية نابعة من صناديق الاقتراع لا من فوهات البنادق.
ثانيًا: إنهاء تجارة الشعارات. الفيدرالية، وإدارة التنوع، والعلمانية، والمواطنة، والمدنية، والديمقراطية، ظلت شعارات فارغة تُستخدم لتخدير الشعوب. وحق تقرير المصير يضع الجميع أمام مسؤولياتهم: فإما دولة تحترم التنوع بالكامل ليختار الناس البقاء فيها، أو الاستقلال وبناء دول قادرة على إدارة مواردها بعيدًا عن استنزاف المركز وحروب الأقاليم.
ثالثًا: تجاوز فخ الجنوب. لو مُنح الجنوب حق تقرير المصير في 1956 بدلًا من 2011، لوفّر السودان خمسين عامًا من الدمار. لقد أقر الإنجليز أنفسهم بالغلطة، لكن النخب السودانية لا تزال تتهرب من مواجهتها خوفًا على امتيازاتها.
إن حق تقرير المصير الشامل اليوم ليس دعوة للتفتيت، بل هو الدعوة الوحيدة للصدق تجاه الشعوب. فالدولة التي يخشى حكامها سؤال شعوبها: هل تريدون البقاء معنا؟ هي دولة تدرك في قرارة نفسها أنها غلطة تاريخية آن أوان تصحيحها.
لا بد من حل معادلة الشرعية الشعبية مقابل شرعية المستعمر. فالديمقراطية الحالية تستمد شرعيتها من حدود رسمها الإنجليز، أما حق تقرير المصير فيستمد شرعيته من الإرادة الحرة للشعوب، وهي أرقى درجات الممارسة الديمقراطية.
لا يمكن بناء بناية ديمقراطية فوق أرضية مغتصبة أو حدود رسمها الإنجليز كغلطة تاريخية. وحق تقرير المصير هو الفعل الديمقراطي الأول الذي يجب أن يسبق الانتخابات والدساتير. فإذا اختار الناس البقاء، كانت الديمقراطية وسيلة حكم؛ وإذا اختاروا الاستقلال، كانت الديمقراطية وسيلة تحرر.
التعليقات المنشورة
0