الأوطان لا تتصدع حين نختلف، ولكنها تنهار حين نفشل في إدارة اختلافنا
تعقيب يؤكد أن السلام لا يتحقق بانتصار طرف على آخر، بل بانتصار فكرة الوطن الجامع، وإدارة التنوع بالحوار والاحترام المتبادل.
تعقيب من المستشار القانوني الطيب شيقوق على مقال (الاختلاف ثراء ورحمة لماذا يجعلونه رجزا من عمل الشيطان)
السلام لن يتحقق بانتصار طرف على آخر، بل عبر انتصار فكرة الوطن الجامع
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الأخ أحمد يوسف التاي، رئيس تحرير صحيفة 5Ws-News
قرأت نبضك الأخير للوطن والذي جاء تحت عنوان (الاختلاف ثراء ورحمة لماذا يجعلونه رجزا من عمل الشيطان)، فوجدته أقرب إلى صوت العقل وهو يحاول أن يشق طريقه وسط ضجيج البنادق وارتفاع نبرة الاتهام بين أبناء الوطن الواحد. وقد أصبت حين وضعت يدك على جوهر الأزمة، فليست مأساة السودان في الاختلاف، وإنما في العجز عن إدارة هذا الاختلاف بعقل راشد وقلب يتسع للجميع.
لقد عانى وطننا طويال من تحويل التنوع — الذي كان يمكن أن يكون مصدر قوته — إلى سبب للصراع، ومن استبدال ثقافة الحوار بمنطق الإقصاء، حتى صار الرأي موقفا نهائيا، وصار المخالف خصما ال شريكا في المصير. وهنا تكمن الخطورة؛ لأن الأوطان ال تتصدع حين تختلف أفكار أهلها، بل حين يفقدون القدرة على الاعتراف المتبادل والقبول الإنساني.
إن ما دعوت إليه من احترام الاختلاف ليس طرحا فكريا مجردا، بل ضرورة وطنية عاجلة. فالسودان، بطبيعته وتاريخه، ال يمكن أن يحكم بعقل أحادي أو رؤية مغلقة. لقد تشكل هذا البلد عبر التعدد والتمازج، وأي محاولة إنكار هذه الحقيقة ليست سوى صدام مع سنن الحياة نفسها.
إن السلام الذي ينشده السودانيون اليوم لن يتحقق عبر انتصار طرف على آخر، بل عبر انتصار فكرة الوطن الجامع، حيث يصبح الاختلاف وسيلة للإثراء ال مبررا للعداء، وحيث يتنافس الناس في خدمة المواطن ال في إقصاء بعضهم بعضا. فالتنافس الشريف، كما أشرت، هو الطريق الطبيعي لتحسين الأداء العام وبناء مؤسسات تحترم الإنسان قبل السلطة. ولعل أخطر ما نواجهه اليوم هو شيوع خطاب «من ليس معنا فهو ضدنا»، ذلك الشعار الذي اختصر الوطن في جماعة، والحقيقة في رأي، والمستقبل في اتجاه واحد. والتاريخ يعلمنا أن المجتمعات التي تضيق بالاختلاف تضيق في النهاية بالحياة نفسها.
إن دعوتك إلدارة الاختلاف هي في حقيقتها دعوة لإعادة تأسيس الوعي الوطني على قاعدة الاحترام المتبادل، والاعتراف بأن الوطن يتسع للجميع، وأن الخالص ال يكون بإلغاء الآخر بل بفهمه. نسأل الله أن يرد إلى السودان أمنه واستقراره، وأن يلهم أبناءه الحكمة التي تجعل من تنوعهم قوة جامعة ال سببا للفرقة.
وختاما، يبقى الوطن حين نتعلم أن نختلف دون أن نفترق، وأن نتحاور دون أن نتخاصم، وأن نضع السودان دائما فوق رغباتنا وأهوائنا.
أطيب أمنياتي
مع خالص التقدير.
من المحرر
أشكر سعادة المستشار الطيب شيقوق، الخبير القانوني الضليع، الكاتب الصحافي النحرير على استكمال فكرة المقال. لقد أكملت بناء الفكرة ببالغة الحكماء، وتواضع وموضوعية العلماء، وأسلوب النبلاء، لك كل الود والتقدير. جزاك الله خيرا عن وطنك وشعبك، ونصحك لله ولرسوله والمؤمنين.
والحق أن جوهر فكرة الإصلاح السياسي ومستقبل البناء الوطني ينطوي على فن إدارة اختلافنا بحكمة ومسؤولية ونجاحنا في ذلك. وتحويل الاختلاف إلى نعمة ال نقمة.
التعليقات المنشورة
0