حصانة المحامي… متى تثار؟ وما هي إجراءات رفعها؟
شرح لطبيعة حصانة المحامي في القانون السوداني، وارتباطها بالعمل المهني، والجهة والإجراءات اللازمة لرفعها.
في إحدى قاعات المحاكم بالسودان، قد يفاجأ محام بأن إجراءات جنائية قد اتخذت في مواجهته قبل أن يستكمل التحقق من القيد الإجرائي اللازم. عندها يبرز سؤال جوهري ال يتعلق بالوقائع بقدر ما يتعلق بصحة الطريق الذي سلكته العدالة: هل كانت هناك حصانة واجبة التطبيق؟ وهل تم رفعها وفق القانون قبل السير في الدعوى؟
حصانة المحامي في النظام القانوني السوداني ليست امتيازا شخصيا، وإنما هي ضمانة مهنية تتصل بحماية استقالل مهنة المحاماة وصون أداء رسالتها. وقد قرر قانون المحاماة لسنة 1983 وتعديلاته هذا المعنى في إطار حماية المحامي أثناء أدائه لعمله المهني، حيث نص في المادة (45) على تمتع المحامي بالحماية القانونية عن الأقوال والإجراءات التي تصدر منه أثناء وبسبب مباشرته لمزاولة مهنته، بما يحقق له حرية الدفاع دون خوف من المالحقة الجزائية أو المدنية بسبب أداء واجبه المهني.
وفي ذات السياق، قرر القانون في المادة (48) أنه ال يجوز اتخاذ إجراءات جنائية ضد المحامي فيما يتعلق بعمله المهني إال بعد الحصول على إذن من الجهة المختصة في نقابة المحامين، وهو ما يفهم منه أن رفع الحصانة يعد شرطا إجرائيا سابقا لتحريك الدعوى في الحالات التي تدخل في نطاق العمل المهني.
غير أن هذه الحماية ليست مطلقة، إذ يميز القانون بين الفعل المهني والفعل الشخصي. فمتى كان الفعل منسوبا إلى المحامي خارج نطاق مهنته، فإنه يخضع للقواعد العامة دون حاجة ألي إذن، لأن الحصانة ال تمتد إلى السلوك الشخصي غير المرتبط بوظيفة الدفاع. أما إجراءات رفع الحصانة، فقد نظمتها أحكام القانون في الباب المتعلق بتنظيم نقابة المحامين، حيث يعرض الطلب على الجهة المختصة داخل النقابة، والتي تتحقق أوال من طبيعة الفعل، وهل هو مرتبط بالمهنة أم ال. فإذا رأت أن الواقعة تدخل ضمن نطاق العمل المهني، يعرض الأمر على مجلس نقابة المحامين باعتباره الجهة المختصة باتخاذ القرار.
وقد نص القانون في المادة (52) على اختصاص مجلس النقابة بالإشراف على شؤون المهنة واتخاذ القرارات المتعلقة بحماية المحامين ومساءلتهم في حدود القانون، وهو ما يستفاد منه أن سلطة رفع الحصانة تعد من السلطات الجوهرية المرتبطة بحماية المهنة، وال يجوز التفويض فيها إال بنص صريح، لأن التفويض المطلق قد يخل بالتوازن الذي أراده المشرع بين الحماية والمساءلة.
ويترتب على ذلك أن صدور إجراءات جنائية في مواجهة محام دون استيفاء شرط الإذن، في الحالات التي يوجبها القانون، يعد خلال إجرائيا جسيما، قد يصل إلى حد بطلان الإجراءات، باعتبار أن شرطا جوهريا من شروط تحريك الدعوى لم يتم استيفاؤه.
ومن ناحية أخرى، يرسخ هذا التنظيم مبدأ مهما في الفقه والإجراءات الجنائية، مؤداه أن صحة المحاكمة ال تتوقف على النتيجة النهائية وحدها، بل على سالمة الطريق الذي سلكته منذ بدايته، لأن العدالة ال تقوم على إجراءات مبتسرة أو منقوصة.
وخالصة القول، أن قانون المحاماة السوداني لسنة 1983 وتعديلاته قد رسم إطارا متوازنا للحصانة، يقوم على ثالث قواعد أساسية:
أن الحصانة مرتبطة بالفعل المهني ال بشخص المحامي، وأن رفعها شرط إجرائي سابق في الحالات التي تستوجبها، وأن سلطة تقريرها منوطة بالجهة النقابية المختصة في حدود القانون. وبين هذه القواعد يتجلى الهدف الحقيقي: حماية مهنة الدفاع دون أن تتحول إلى حصانة من المساءلة.
فالعدالة ال تقاس فقط بما تنتهي إليه من أحكام، بل بما تبنيه من إجراءات سليمة تضمن أن الطريق إليها كان مستقيما منذ بدايته.
التعليقات المنشورة
0