✦ إهداء الافتتاح

بمناسبة الافتتاح الرسمي لمكتبة المستشار الطيب مضوي شيقوق، أهدي هذا الفضاء إلى والدي العزيز؛ ليكون بيتًا لمقالاته، وذاكرةً تحفظ كلماته، ومنبرًا ينشر جديده، وهديةً مفتوحة لكل قارئ كريم. — الصديق الطيب

الرجوع إلى الصحافة الحديثة
الصحافة الحديثةنص كامل مؤرشفقانون وتوثيق

سلطات المحامي الموثق في السودان… بين رسمية التوثيق وحدود المشروعية

بقلم: الطيب مضوي شيقوقالنشر: 27 أبريل 2026م - 8:15 صباحاالمصدر: 5Ws-News

عرض لسلطات المحامي الموثق وحدودها، وحجية المحرر الرسمي، والحياد والأهلية ومكان التوثيق، وأثر مخالفة الإجراءات.

يعد التوثيق عملا قانونيا رصينا، يباشره المحامي الموثق وسائر من خولوا هذه السلطة، باعتباره ممارسة لاختصاصات ذات طبيعة قضائية، تعنى بإضفاء الصفة الرسمية على التصرفات القانونية وتثبيت الحقوق على نحو يكفل استقرار المعاملات ويحد من نشوء النزاع. وهو، في حقيقته، ليس إجراء شكليا، بل عمل قانوني دقيق ينقل به التعبير عن الإرادة من نطاقها الخاص إلى مجال الحجية العامة، وفق ضوابط محكمة تجعل من المحرر الموثق سندا قائما بذاته في الإثبات، ال ينازع فيه إلا بطريق الطعن بالتزوير.

فالمحامي الموثق حين يباشر عمله ال يكتفي بنقل ما اتفق عليه الأطراف إلى محرر مكتوب، بل يضفي على هذا المحرر صفة الرسمية، فيتحول من مجرد تعبير عن إرادة خاصة إلى حجة قائمة بذاتها، تصمد في مواجهة الإنكار، ويحتج بها على الكافة في الحدود التي رسمها القانون. وبهذا المعنى، فإن التوثيق ليس كتابة للنصوص، وإنما تثبيت للإرادات في إطار قانوني يحميها من الجحود ويصونها من العبث.

وعندما يعكف الموثق على التصديق على التوقيعات، فإن مهمته تظل محكومة بحدود دقيقة؛ فهو ال يشهد على صحة مضمون المحرر بقدر ما يثبت صدور التوقيع ممن نسب إليه، بعد التحقق من شخصيته وأهليته. وهذا التمييز بين صحة التوقيع وصحة المضمون يمثل ضمانة أساسية تحول دون تحميل التوثيق ما ال يحتمل، أو الزج به في دائرة المسؤولية عن مضمون إرادة الأطراف.

ويمتد أثر التوثيق إلى تثبيت التاريخ، وهو أثر قد يبدو في ظاهره مسألة فنية، لكنه في حقيقته أحد أعمدة حماية الحقوق. فكم من نزاع نشأ بسبب تقديم تاريخ وتأخير آخر، وكم من حق ضاع لغياب لحظة محددة يرجع إليها. وهنا يغدو دور المحامي الموثق في إثبات التاريخ دورا حاسما، يضع حدا للجدل ويقيم مرجعا يحتكم إليه عند التنازع.

ولا يقف هذا الدور عند لحظة التوثيق، بل يمتد إلى ما بعدها، حيث يحتفظ المحامي الموثق بالأصول وينظم السجلات، فتغدو هذه السجلات بمثابة ذاكرة قانونية صامتة، تستدعى عند الحاجة، وترجع إليها الحقوق عند الضياع أو الاختلاف. وكثيرا ما يسبق التوثيق دور استشاري، يوجه فيه المحامي الأطراف إلى الصياغة السليمة، وينبههم إلى ما قد يعتري تصرفاتهم من خلل أو مخالفة، فيكون بذلك حارسا على سلامة الإرادة قبل أن يكون شاهدا عليها.

ومع اتساع هذه السلطات، فإنها تظل مقيدة بحدود ال يجوز تجاوزها؛ فالمحامي الموثق ال يفصل في النزاعات، وال يملك سلطة القضاء، وال يجيز ما يخالف القانون أو النظام العام، إذ تظل وظيفته محصورة في دائرة الإثبات والتوثيق، ال الحكم والإلزام.

غير أن الوجه الآخر لهذه الوظيفة ال يقل أهمية عن وجهها الأول، إذ ليس كل ما يعرض على المحامي الموثق يصلح أن يدون، وال كل إرادة يجوز أن تكسى برداء الرسمية. فالتوثيق، كما يمنح الحماية، قد يتحول — إن أسيء استعماله — إلى أداة لإضفاء المشروعية على ما ال يجوز. ومن ثم، فإن الامتناع عن التوثيق في بعض الحالات ليس تقاعسا، بل هو عين الالتزام. فال يجوز له أن يوثق تصرفا يخالف القانون أو يمس النظام العام أو الآداب، لأن التوثيق ال يملك أن يحصن الباطل أو يمنحه شرعية يفتقدها في أصله. كما ال يجوز توثيق تصرفات تصدر

عن عديمي الأهلية أو ناقصيها دون سند قانوني، لأن الأهلية شرط جوهري لصحة الإرادة، ال مجرد إجراء شكلي يمكن التغاضي عنه.

وإذا الح للمحامي أن الإرادة مشوبة بإكراه أو تدليس، أو أن أحد الأطراف واقع تحت ضغط مادي أو معنوي، فإن عليه أن يمتنع عن التوثيق، إذ ال معنى لتوثيق إرادة لم تتوافر لها حرية الاختيار. وكذلك يمتنع عليه توثيق محررات تتعلق بنزاع قائم أو يقصد بها الالتفاف على إجراءات التقاضي، لأن في ذلك خلطا بين وظيفة التوثيق واختصاص القضاء.

ومن مقتضيات الحياد كذلك أال يوثق المحامي محررا يكون طرفا فيه أو له فيه مصلحة مباشرة أو غير مباشرة، لأن التوثيق يفقد معناه إذا اختل ميزان الحياد. كما أن المحررات الغامضة أو المتناقضة ال يجوز تمريرها تحت مظلة التوثيق، لأن الغموض في هذه المرحلة ليس سوى نزاع مؤجل، سرعان ما ينفجر عند أول اختبار عملي.

ولا يملك المحامي الموثق كذلك أن يتجاوز ما قرره القانون من اختصاصات أو إجراءات خاصة لبعض التصرفات، إذ إن احترام الشكل والإجراءات ليس تقييدا للعمل، بل هو ضمان لصحته ونفاذه.

وتظل مسألة ممارسة سلطة التوثيق في ذاتها خاضعة لضوابط ال تقل أهمية عن مضمون التوثيق ذاته، فهي سلطة شخصية في أصلها، تقوم على الاعتبار الذاتي للمحامي الذي منحت له، وال يجوز له تفويضها لغيره تحت أي مسمى. فالمعاينة المباشرة، والتحقق من الهوية، واستجلاء الإرادة، كلها عناصر ال تنوب فيها يد عن أخرى، وال يقوم فيها بديل مقام الأصيل.

كما يتعين أن تمارس هذه السلطة في ذات المقر الذي صادقت عليه الجهة المختصة عند منح الإذن، لما في ذلك من ضمان للرقابة والتنظيم، وربط بين الإجراء ومكان معلوم تحفظ فيه السجلات وتراجع عند الحاجة. غير أن الضرورات قد تفرض في بعض الأحيان انتقال المحامي الموثق إلى أحد الأطراف، لمرض أو عجز أو ظرف قاهر، وهنا يستثنى من الأصل بقدر ما تقتضيه الضرورة، ال أكثر.

وفي مثل هذه الحالات، يلتزم المحامي الموثق بإثبات واقعة الانتقال في صفحة التوثيق، مع بيان أسبابها ومقتضياتها، حتى يظل الإجراء محاطا بالشفافية، بعيدا عن مظنة العبث أو الشك. فالتدوين هنا ليس ترفا إجرائيا، بل هو ضمانة جوهرية تثبت أن ما تم كان استثناء مشروعا ال خروجا غير مبرر.

وأي خروج على هذه الأصول — في شخص من باشر التوثيق، أو في مكان ممارسته، أو في استيفاء إجراءاته — ال يعد مجرد مخالفة شكلية، بل يترتب عليه أثر قانوني بالغ، إذ يفقد المحرر صفته كمحرر رسمي، وينحدر إلى مرتبة المحررات العرفية، وهي منزلة أدنى في قوتها الإثباتية، ال تتمتع بذات الحجية التي يسبغها القانون على التوثيق الصحيح.

وهكذا يتبين أن المحامي الموثق ليس مجرد شاهد على توقيع، بل هو حارس على مشروعية الإرادة، وأمين على استقرار المعاملات. فإذا كان القضاء يعيد الحقوق بعد ضياعها، فإن التوثيق — في كثير من الأحيان — يحول دون ضياعها ابتداء. وما بين منح المشروعية ومنع الانحراف، تتحدد قيمة هذا الدور، حيث ال يكون المحامي الموثق كاتبا لما يملى عليه، بل رقيبا على ما يجوز أن يكتب، وحارسا على أن تظل الكلمة المكتوبة عنوانا للحق ال مدخال للنزاع.

وفي خاتمة هذا العرض، يظل من الضروري التأكيد على أن سلطة التوثيق — بما تحمله من أثر مباشر على استقرار المعاملات وصيانة الحقوق — ال ينبغي أن تمنح إال بعد قدر عال من التمحيص والتدقيق. فالأمر ال يتعلق بمجرد تأهيل مهني فحسب، بل بسالمة السلوك واستقامة السيرة، لأن الموثق ال يمارس عملا إجرائيا محدود الأثر، وإنما يباشر سلطة ذات طبيعة قضائية تمس حقوق الناس ومراكزهم القانونية. ومن ثم، فإن التشديد في معايير منح هذه السلطة، والتحقق من كفاءة من يتولاها علميا وعمليا وسلوكيا، يمثل ضمانة أساسية لسالمة نظام التوثيق ذاته، ولثقة المجتمع في مخرجاته، واستقرار المعاملات التي تقوم عليه.

نص كامل مؤرشف من نسخة PDF المرفوعةفتح المصدر الأصلي

تعليقات القرّاء

اكتب تعليقك على هذا الموضوع. لن يُنشر إلا بعد مراجعة إدارة المكتبة.

التعليقات المنشورة

0

جارٍ تحميل التعليقات…