✦ آخر مقال
مؤشرات البورصات.. كيف تُقرأ الأرقام، ولماذا تتحرك الأسواق؟
الرجوع إلى الصحافة الحديثة
الصحافة الحديثةنص كامل مؤرشفالقانون والدراسات القانونية

ماذا عن حقوق المزارعين الشماليين الذين أصبحت أراضيهم داخل دولة جنوب السودان؟

بقلم: الطيب مضوي شيقوق – المحامي والمستشار القانونيالنشر: 2026-09-28المصدر: فايف دبليوز نيوز

يناقش المقال حقوق المزارعين السودانيين الذين أصبحت أراضيهم داخل دولة جنوب السودان بعد الانفصال، ووضع حقوقهم في الملكية والاستثمار والتعويض. ماذا

لم يكن انفصال جنوب السودان في يوليو 2011 مجرد حدث سياسي أعاد رسم الخريطة، وإنما كان أيضًا تحولًا قانونيًا واقتصاديًا واجتماعيًا ترك وراءه ملفات كثيرة لم تُحسم بصورة نهائية. ومن بين هذه الملفات قضية المزارعين السودانيين الشماليين الذين كانت لهم أراضٍ ومشروعات زراعية في مناطق أصبحت، بعد انفصال دولة جنوب السودان، جزءًا من أراضي الدولة الجديدة. فقد وجد بعض هؤلاء المزارعين أنفسهم أمام واقع غير مسبوق؛ أرض استثمروا فيها سنوات طويلة، وأنفقوا عليها أموالًا وجهدًا، وأقاموا فيها الآبار وشبكات الري والمنشآت، وزرعوا الأشجار والمحاصيل، أصبحت بفعل تغير السيادة داخل دولة أخرى. ومع ذلك، فإن انتقال السيادة على الإقليم لا يعني بالضرورة، من الناحية القانونية، أن كل الحقوق الخاصة التي كانت قائمة على الأرض قد سقطت تلقائيًا. فهناك فرق بين سيادة الدولة على إقليمها وبين الحقوق الخاصة والاستثمارية التي نشأت بصورة مشروعة قبل تغير السيادة. ولذلك فإن تحديد مصير المزارعين الشماليين يتوقف على طبيعة الحق الذي كان لكل منهم، وما إذا كان مالكًا بموجب سند قانوني، أو مستأجرًا بموجب عقد رسمي، أو صاحب امتياز، أو مستثمرًا، أو صاحب حيازة عرفية، أو مستفيدًا من تخصيص حكومي. وهذا التمييز مهم، لأن المزارع الذي يحمل سند ملكية أو عقدًا طويل الأجل أو امتيازًا استثماريًا لا يكون في المركز القانوني نفسه لمن كان وجوده على الأرض قائمًا على حيازة فعلية بلا سند. وكان قانون الأراضي في جنوب السودان لسنة 2009 قد وضع، قبل الاستقلال، إطارًا قانونيًا لحقوق الأراضي، ونظم أشكال الحيازة والاستثمار والتصرف فيها، كما أقر الحقوق العرفية والمجتمعية إلى جانب الحقوق التي تثبت بالمستندات. وبعد الاستقلال، أقر الدستور الانتقالي لجنوب السودان نظامًا للأراضي يقوم على الأراضي العامة والمجتمعية والخاصة، مع الاعتراف بحقوق استثمارية يمكن أن تنشأ عن عقود الإيجار والتخصيص والاستثمار. ومن ثم، فإن مجرد كون صاحب المشروع سودانيًا شماليًا لا يكفي وحده لتحديد مصير حقه، وإنما ينبغي النظر إلى مصدر الحق وطبيعته ومدته والمستندات التي تثبته والقانون الذي كان يحكمه. فإذا كان المزارع يحمل سندًا قانونيًا صحيحًا أو حقًا مسجلًا، فإن الأمر يحتاج إلى بحث الكيفية التي عولج بها هذا الحق بعد الاستقلال، وما إذا كان قد استمر أو أعيد تنظيمه أو انتهى بموجب قانون أو إجراء محدد. وإذا كان صاحب المشروع مستأجرًا بعقد طويل الأجل، فإن شروط العقد ومدته وأحكام إنهائه تصبح عناصر أساسية في تحديد مركزه القانوني. أما إذا كان المشروع قد أقيم بموجب اتفاق استثماري رسمي، فإن المسألة قد تخضع، إلى جانب قوانين الأراضي، لأحكام قانون الاستثمار وشروط العقد وآليات تسوية المنازعات. وتزداد أهمية المسألة عندما ندرك أن المشروع الزراعي لا يمثل الأرض وحدها. فقد يكون صاحبه قد أنفق مبالغ كبيرة على الآبار ومحطات الري وشبكات المياه والمخازن والمباني والآليات والمعدات وزراعة الأشجار التي احتاجت سنوات حتى تصبح منتجة. وقد تكون قيمة هذه الاستثمارات والمنشآت والأصول أكبر من قيمة الأرض نفسها. ولذلك فإن فقدان المشروع لا يعني بالضرورة أن المطالبة، إن وجدت، تنحصر في قيمة الأرض، بل قد تمتد إلى عناصر الاستثمار والأصول والمنشآت والحقوق التعاقدية، وفقًا للأساس القانوني لكل حالة. كما أن الدستور الانتقالي لجنوب السودان أقر حماية الملكية الخاصة، ونص على عدم نزعها إلا بموجب القانون وللمصلحة العامة، مع تعويض سريع وعادل، كما قرر حقوقًا في التعويض للأشخاص والمجتمعات الذين يتمتعون بحقوق في الأرض عند الاستحواذ عليها أو تطويرها للمصلحة العامة. وهذا الإطار يجعل مسألة التعويض ذات أهمية في الحالات التي يكون فيها الحق القانوني قد انتهى نتيجة إجراء من إجراءات نزع الملكية أو الاستحواذ، وإن كان مجرد انتقال السيادة في حد ذاته لا يعني بالضرورة وقوع نزع ملكية. كما أن قانون الاستثمار في جنوب السودان لسنة 2009 تضمن ضمانات للمستثمرين في مواجهة نزع الملكية، وربط ذلك بالمصلحة العامة والقانون والإجراءات القانونية والتعويض، مع وجود آليات قضائية وتحكيمية لتسوية بعض المنازعات الاستثمارية. ولذلك فإن بعض المشروعات الزراعية الكبيرة التي قامت على أساس استثماري رسمي قد يكون لها مركز قانوني مختلف عن حالة المزارع الذي كان يمارس حيازة زراعية دون سند استثماري واضح. وفي سبتمبر 2012، وقع السودان وجنوب السودان اتفاقًا بشأن وضع مواطني كل دولة في الدولة الأخرى، تضمن ما عرف بالحريات الأربع، ومنها حرية الإقامة والحركة وممارسة النشاط الاقتصادي واكتساب والتصرف في الملكية، مع إخضاع ممارسة هذه الحقوق لقوانين وأنظمة كل دولة. وقد وفر الاتفاق إطارًا مهمًا لمعالجة أوضاع المواطنين ومصالحهم الاقتصادية بعد الانفصال، وإن لم يكن معناه انتقال ملكية كل الأراضي التي كان يستثمرها السودانيون في جنوب السودان إليهم تلقائيًا. ولهذا فإن حقوق المزارعين الشماليين لا يمكن اختزالها في قاعدة واحدة. فهناك من يحتاج إلى دراسة سند ملكيته، وهناك من يحتاج إلى فحص عقد إيجاره، وهناك من يستند إلى اتفاق استثماري، وهناك من يعتمد على حيازة أو حق عرفي. ولكل حالة مستنداتها وأحكامها ووسائل إثباتها. وتبرز هنا الحاجة إلى معالجة مؤسسية للملف، تبدأ بحصر المشروعات الزراعية السودانية التي كانت قائمة في المناطق التي أصبحت جزءًا من جنوب السودان بعد الانفصال، وتوثيق أصحابها وطبيعة حقوقهم وعقودهم واستثماراتهم والمنشآت التي أقاموها وما آل إليه كل مشروع بعد 2011. ويمكن بعد ذلك تصنيف هذه الحالات بين ملكيات خاصة، وإيجارات طويلة الأجل، وامتيازات استثمارية، وتخصيصات حكومية، وحقوق عرفية، ومطالبات تتعلق بالمنشآت والاستثمارات والتعويضات. ومثل هذا الحصر يمكن أن يكون أساسًا لإنشاء آلية سودانية–جنوب سودانية تبحث هذه الملفات بعيدًا عن التوتر السياسي، وتتعامل معها باعتبارها جزءًا من الآثار القانونية والاقتصادية التي خلفها انفصال دولتين كانتا دولة واحدة لعقود طويلة. فالاعتراف بسيادة جنوب السودان على أراضيه لا يعني بالضرورة إسقاط الحقوق الخاصة التي نشأت بصورة مشروعة قبل الاستقلال، كما أن المطالبة بحقوق المزارعين السودانيين لا تعني إنكار سيادة الدولة الجديدة. المسألة في جوهرها هي تحديد الحق الذي كان قائمًا، ومعرفة ما حدث له بعد الانفصال، وتطبيق القانون على كل حالة وفق مستنداتها وظروفها. لقد رسم انفصال جنوب السودان حدودًا دولية جديدة، لكنه لم يمح في لحظة واحدة تاريخًا طويلًا من الملكية والاستثمار والعمل. وراء كل مشروع زراعي سنوات من الجهد ورأس المال، وربما أجيال ارتبطت بالأرض اقتصاديًا واجتماعيًا. ولهذا فإن التعامل مع هذه القضية ينبغي ألا يكون بمنطق الصراع السياسي، وإنما بمنطق القانون والحقوق المكتسبة وحماية الاستثمار والتعويض العادل والتسوية بين دولتين جارتين. فالحدود تستطيع أن تفصل بين دولتين، لكنها لا تمحو تلقائيًا التاريخ القانوني والاقتصادي للحقوق التي نشأت قبلها. وما يحتاجه هؤلاء المزارعون هو أن تُراجع الوثائق، وتُحصر الحقوق، وتُدرس العقود، وتُطبق القوانين، وتُبحث تسويات عادلة تحفظ ما يمكن حفظه من الحقوق وتعالج ما ثبت فقدانه وفق القانون.

فتح المصدر الأصلي
السيرة الذاتية للكاتب ←

تعليقات القرّاء