✦ إهداء الافتتاح

بمناسبة الافتتاح الرسمي لمكتبة المستشار الطيب مضوي شيقوق، أهدي هذا الفضاء إلى والدي العزيز؛ ليكون بيتًا لمقالاته، وذاكرةً تحفظ كلماته، ومنبرًا ينشر جديده، وهديةً مفتوحة لكل قارئ كريم. — الصديق الطيب

الرجوع إلى الصحافة الحديثة
الصحافة الحديثةنص كامل مؤرشفإصلاح الدولة وحوار فكري

تعقيب على مقال البروفيسور بدر الدين عبد الرحيم إبراهيم: «ثلاثية النجاح الغائبة في السودان»

بقلم: الطيب مضوي شيقوقالنشر: 1 أبريل 2026م - 4:40 مساءالمصدر: 5Ws-News

تعقيب يقرر أن معضلة السودان ليست في غياب الحوكمة والتنمية وحسن الإدارة، بل في غياب الدولة القادرة على حمل هذه الأفكار وحفظ التراكم المؤسسي.

كتب صديقي، الخبير الاقتصادي، البروفيسور بدر الدين عبد الرحيم، محافظ بنك السودان السابق، عن ثلاثية تبدو، في ظاهرها، وصفة مكتملة لنجاح الدول: الحوكمة الرشيدة، والتنمية المستدامة، وحسن الإدارة. وهي بالفعل ثلاثية لا يختلف حولها اثنان، بل تكاد تمثل القاسم المشترك في تجارب النهضة الحديثة عبر العالم. غير أن المعضلة السودانية - في تقديري - لم تكن يوما في غياب الفكرة، وإنما في غياب الدولة القادرة على حمل الفكرة.

لقد عرف السودانيون مفردات الإصلاح منذ وقت مبكر؛ تحدثوا عن التخطيط الاستراتيجي قبل أن يصبح مصطلحا شائعا، وعن الخدمة المدنية المهنية حين كانت المنطقة بأسرها تستلهم تجربتهم. لكن ما تآكل عبر الزمن لم يكن المعرفة، بل المؤسسة التي تحفظ المعرفة وتورثها.

فالركائز الثلاث التي طرحها الكاتب لا تعمل في فراغ. الحوكمة تحتاج إلى دولة قانون مستقرة، والتنمية المستدامة تحتاج إلى رؤية تتجاوز عمر الحكومات، وحسن الإدارة يحتاج إلى جهاز عام محصن ضد التقلبات السياسية. وهنا تحديدا تكمن العقدة السودانية: الدولة نفسها أصبحت مشروعا غير مكتمل، تتغير قواعده مع كل مرحلة، فتبدأ الخطط من الصفر، وكأن الذاكرة الوطنية تعاد كتابتها كل مرة.

إن حسن الإدارة - كما أشار الكاتب بحق - هو العامل الحاسم، لكنه لا يولد من التدريب وحده ولا من النظم الرقمية، بل من بيئة سياسية تؤمن بأن الوظيفة العامة تكليف لا غنيمة، وأن المؤسسة أكبر من الأفراد. فحيث تغيب هذه القناعة، تتحول أفضل النظم إلى هياكل شكلية، وتصبح الحوكمة شعارا إداريا بلا أثر عملي.

ولعل أخطر ما واجه السودان خلال العقود الماضية هو انقطاع الاستمرارية؛ إذ لم تفشل السياسات دائما لأنها خاطئة، بل لأنها لم تمنح الزمن الكافي لترسخ. فالدول تبنى بالتراكم، بينما عاشت الدولة السودانية في دائرة البدء المتكرر، حيث يهدم كل عهد ما قبله قبل أن يختبره.

إن الدعوة إلى برنامج وطني موحد للإصلاح المؤسسي فكرة جديرة بالاهتمام، لكنها تطرح سؤالا سابقا عليها: هل اتفق السودانيون بعد على قواعد إدارة دولتهم؟ لأن أي برنامج إصلاحي، مهما بلغت دقته الفنية، سيظل هشا ما لم يستند إلى توافق وطني يجعل احترام المؤسسة التزاما دائما لا خيارا مرحليا.

التجارب العالمية تعلمنا أن التنمية ليست أول الطريق، بل نتيجته الطبيعية. البداية الحقيقية هي بناء دولة محايدة، قادرة، ومستقرة القواعد؛ دولة لا تتغير فلسفتها الإدارية بتغير الحكومات، ولا تتبدل أولوياتها مع تبدل موازين السياسة.

ما طرحه البروفيسور بدر الدين عبد الرحيم يذكرنا بحقيقة مؤلمة وبسيطة في آن واحد: نحن لا نفتقر إلى الرؤى، بل إلى البيئة التي تسمح للرؤى بأن تعيش. ولذلك فإن التحدي الأكبر أمام السودان اليوم ليس صياغة برامج جديدة، بل إعادة الاعتبار لفكرة الدولة نفسها - دولة تدار بالعقل المؤسسي، لا بإرادة اللحظة.

وعندما تستعيد الدولة هذا المعنى، لن تبقى الحوكمة والتنمية وحسن الإدارة أهدافا نبحث عنها، بل نتائج طبيعية لنظام وجد أخيرا طريقه إلى الاستقرار.

نص كامل مؤرشف من نسخة PDF المرفوعةفتح المصدر الأصلي

تعليقات القرّاء

اكتب تعليقك على هذا الموضوع. لن يُنشر إلا بعد مراجعة إدارة المكتبة.

التعليقات المنشورة

0

جارٍ تحميل التعليقات…