المستشار شيقوق يواصل الحوار الفكري الراقي مع البروف بدر الدين حول إصلاح الدولة
مواصلة للحوار حول الدولة المؤسسية، تربط بين العقد الاجتماعي وسيادة القانون والفصل بين السلطات، وتضع الحوكمة والتنمية والإدارة داخل إطار تأسيسي مستقر.
جاءت مقاربة البروفيسور بدر الدين عبد الرحيم إضافة فكرية مهمة للنقاش العام حول كيفية الخروج من مأزق الدولة السودانية، ليس فقط لأنها دافعت عن رؤية إعادة بناء الدولة المؤسسية، بل لأنها قدمت - بشجاعة فكرية نادرة في المجال العام - نقدا ذاتيا واعيا لحدود المقاربات الجزئية مهما بلغت أهميتها الفنية أو الإدارية.
فما طرحه يفتح بابا بالغ الأهمية في النقاش الوطني؛ إذ ينقل الحوار من جدل الوسائل إلى سؤال الأساس نفسه: هل يمكن إصلاح الأداء قبل إصلاح الدولة التي يفترض أن تحتضن هذا الأداء؟ وهنا تتلاقى الرؤيتان لا بوصفهما متنافستين، بل باعتبارهما مرحلتين متكاملتين في مشروع واحد لإعادة بناء الدولة.
هذا الفهم يجد جذوره العميقة في الفكر السياسي الكلاسيكي؛ فقد رأى الفيلسوف جان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau) أن الدولة لا تقوم على السلطة في ذاتها، بل على العقد الاجتماعي (Social Contract) الذي تتحول بموجبه الإرادة الفردية إلى إرادة عامة تحكم الجميع عبر القانون. فالدولة، وفق روسو، ليست جهاز حكم فحسب، بل إطار أخلاقي وقانوني يضمن استمرارية الإرادة العامة بعيدا عن أهواء الحكام وتبدلات اللحظة السياسية. وهذا المعنى يلتقي مباشرة مع فكرة الدولة المؤسسية التي تجعل السياسات امتدادا لإرادة المجتمع لا لقرارات أشخاص.
أما مونتسكيو (Montesquieu) فقد قدم الأساس المؤسسي العملي لهذا التصور عندما صاغ نظريته في الفصل بين السلطات (Separation of Powers)، مؤكدا أن الحرية السياسية لا يمكن أن تتحقق إذا اجتمعت السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية في يد واحدة. فالفصل بين السلطات ليس مجرد ترتيب إداري، بل آلية لحماية الدولة من الاستبداد ومن الانقطاع المؤسسي في آن واحد؛ إذ تصبح المؤسسات قادرة على تصحيح بعضها بعضا، مما يضمن الاستمرارية والاستقرار. ومن هنا فإن بناء دولة مؤسسية في السودان لا يمكن أن يتم دون إعادة تأسيس توازن حقيقي بين السلطات، بحيث تصبح الدولة أقوى من الحكومات المتعاقبة.
ويعمق الفيلسوف جون لوك (John Locke) هذا الفهم حين جعل القانون سابقا على السلطة، لا تابعا لها. في نظر لوك، السلطة السياسية ليست غاية في ذاتها، بل تفويض من المجتمع مشروط بحماية الحقوق الطبيعية للإنسان (Natural Rights): الحياة، والحرية، والملكية. وإذا عجزت الدولة عن حماية هذه الحقوق أو خالفت القانون، تصبح شرعيتها محل مساءلة. ومن هذا المنطلق، تصبح سيادة القانون حجر الزاوية لأي مشروع لإعادة بناء الدولة، حيث تخضع السلطة للقانون لا العكس، ويصبح المواطن قادرا على توقع استقرار الدولة وسلوكها، ما يعزز التنمية والاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
إن استحضار هذه النظريات لا يأتي بوصفه استدعاء أكاديميا للتاريخ، بل لأنها تقدم إطارا فكريا يفسر لماذا فشلت كثير من محاولات الإصلاح الجزئي في الدول الهشة؛ إذ حاولت تحسين الأداء دون تأسيس العقد الاجتماعي، أو تطبيق الحوكمة دون فصل حقيقي للسلطات، أو السعي للتنمية دون ضمان الحقوق وسيادة القانون.
وإذا واصلنا البناء على هذا الإطار الفكري، فإن استحضار روسو ومونتسكيو ولوك لا يكتمل إلا بفهم الغاية النهائية التي اجتمعت حولها فلسفاتهم السياسية، وهي تحويل السلطة من ظاهرة شخصية إلى نظام مؤسسي دائم. فالمشكلة في الدول التي تعاني من الهشاشة ليست غياب الأفكار الإصلاحية، بل غياب القواعد التي تجعل هذه الأفكار قابلة للاستمرار بعد تغير الحكومات والقيادات.
لقد حذر روسو من أن الدولة تفقد معناها عندما تتحول الإرادة العامة إلى إرادات متفرقة تتنازعها المصالح الخاصة، لأن العقد الاجتماعي في جوهره ليس اتفاقا لحظة التأسيس فقط، بل التزاما مستمرا بإخضاع الجميع - حكاما ومحكومين - لسلطان القانون. وهذا المفهوم يفسر لماذا لا يمكن بناء دولة مستقرة دون إعادة تأسيس الثقة بين المواطن والمؤسسات، بحيث يشعر الفرد أن الدولة تعبر عن إرادته الجمعية لا عن توازنات القوة المؤقتة.
أما مونتسكيو فقد أدرك أن أخطر ما يهدد الدول ليس الاستبداد الصريح وحده، بل تركز السلطة تدريجيا داخل جهاز واحد بحجة الكفاءة أو الضرورة. ولذلك فإن الفصل بين السلطات لا يعني الصراع بينها، بل خلق توازن ديناميكي يمنع الانحراف ويحفظ الاستمرارية. وفي السياق السوداني، يصبح هذا المبدأ شرطا لإيقاف الحلقة التاريخية التي تنتقل فيها البلاد من مركزية مفرطة إلى انهيار مؤسسي، ثم تعود الدورة من جديد.
ويعمق لوك هذا الفهم حين يجعل القانون معيارا للشرعية، بحيث يدار النظام السياسي وفق قواعد معروفة ومستقرة يستطيع المواطن التنبؤ بها. فالاستقرار القانوني هو أساس النشاط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي معا، ومن دونه تتحول مشاريع التنمية إلى جهود مؤقتة مرتبطة بالأشخاص لا بالمؤسسات.
ومن هنا تتجلى أهمية الربط بين الرؤية التأسيسية لإعادة بناء الدولة وبين أدوات الحوكمة والتنمية؛ فروسو ومونتسكيو ولوك لم يفصلوا بين بناء الدولة وتحسين أدائها، بل اعتبروا الأداء الجيد نتيجة طبيعية لبنية سياسية سليمة. الدولة التي تقوم على عقد اجتماعي واضح، وسلطات متوازنة، وقانون مستقر، تنتج تلقائيا إدارة أفضل واقتصادا أكثر استقرارا وثقة عامة أعلى.
كما أن الإطار الزمني الواقعي يضفي على النقاش قدرا من النضج؛ فإعادة بناء الدولة ليست مشروع حكومة، بل مشروع جيل. وهي عملية تراكمية تبدأ بإرساء القواعد الدستورية والقانونية وبناء نظم حفظ المعرفة المؤسسية، ثم ترسيخ استقلال المؤسسات وتحسين كفاءة الجهاز الحكومي، قبل أن تظهر ثمار التنمية المستدامة وتعزز الثقة بين الدولة والمواطنين.
إن ما يمكن استخلاصه من هذا الحوار الفكري الراقي هو أن السودان لا يحتاج إلى مفاضلة بين الرؤى، بل إلى هندسة تكاملها: رؤية تأسيسية تبني الدولة وفق مبادئ العقد الاجتماعي وسيادة القانون والفصل بين السلطات، تعقبها رؤية تشغيلية تفعل الحوكمة والتنمية والإدارة الحديثة داخل هذا الإطار المستقر.
وفي هذا المعنى، فإن الدعوة إلى النقاش المفتوح حول مشروع الدولة المؤسسية تمثل في جوهرها دعوة لإعادة تعريف السياسة نفسها: من صراع على السلطة إلى توافق على قواعد الدولة. فالدول لا تبنى بالأفكار الصحيحة فقط، بل بالطريقة التي تتحاور بها هذه الأفكار وتتكامل.
ذلك لأن بناء الدولة ليس حدثا عابرا، بل مسار طويل يبدأ بفكرة، ثم يتحول إلى عقد اجتماعي جامع، ثم إلى مؤسسات متوازنة، ثم إلى دولة قادرة على الاستمرار تتجاوز أعمار الحكومات والأفراد، وتمنح الوطن ما افتقده طويلا: الاستقرار والاستمرارية والثقة في المستقبل.
التعليقات المنشورة
0