عيادات الأطباء.. دخول عالية وخدمات أساسية مخجلة
يناقش المقال افتقار بعض عيادات الأطباء في السودان إلى الخدمات الأساسية، وأهمية النظافة والراحة والخصوصية في حفظ كرامة المريض.
من المفارقات التي تستحق التوقف عندها في واقعنا الصحي أن تجد كثير من عيادات الأطباء ، في السودان، تعجّ بالمراجعين وتحقق دخلاً معتبراً من رسوم الكشف، ومع ذلك تفتقر إلى أبسط مقومات المكان الصحي، وعلى رأسها دورة مياه نظيفة ومهيأة للمرضى والمرافقين.
فالطبيب الذي يستقبل عشرات المراجعين يومياً، بعضهم كبار في السن، وبعضهم أطفال، وبعضهم مرضى قد يحتاجون إلى قضاء حاجتهم بصورة عاجلة، يفترض أن يدرك أن العيادة ليست مجرد غرفة للكشف وتحصيل رسوم المقابلة، وإنما هي منشأة صحية ينبغي أن يتوافر فيها الحد الأدنى من شروط النظافة والراحة والخصوصية.
والأمر هنا لا يتعلق بالترف أو الكماليات. فوجود حمّام نظيف داخل العيادة، أو في موقع مناسب قريب منها، ليس خدمة إضافية يمكن الاستغناء عنها، بل هو جزء من البيئة الصحية التي ينبغي أن تحيط بالمريض منذ لحظة دخوله وحتى مغادرته.
والأغرب أن بعض العيادات قد تكون مكتظة بالمراجعين، وتُحصّل مبالغ كبيرة بصورة يومية، بينما لا يجد المريض مكاناً مناسباً لقضاء حاجته، فيضطر إلى البحث عن حمّام في مسجد أو متجر أو مكان عام قريب.
إن احترام المريض لا يكون فقط بحسن التشخيص ووصف العلاج، وإنما يبدأ أيضاً من احترام إنسانيته وراحته وخصوصيته.
والطبيب، مهما كان انشغاله بالجانب الطبي، يظل مسؤولاً عن البيئة التي يمارس فيها مهنته، وعن توفير الحد الأدنى من مقومات الراحة والنظافة لمن يقصد عيادته طلباً للعلاج.
ولذلك فإن تطوير الخدمات الصحية لا ينبغي أن ينحصر في الأجهزة الحديثة والتخصصات النادرة، بل يجب أن يبدأ أيضاً من التفاصيل الصغيرة التي تصنع فارقاً كبيراً في تجربة المريض: النظافة، المقاعد المناسبة، التهوية، الخصوصية، تنظيم الانتظار، وتوفير دورة مياه نظيفة تليق بمكان يحمل اسم عيادة طبية.
فالمريض ليس مجرد رقم في دفتر المواعيد، ورسوم الكشف ليست ثمناً للمعاينة وحدها؛ وإنما هي مقابل خدمة مهنية ينبغي أن تُقدَّم في بيئة تحفظ للمريض كرامته وإنسانيته.
ولا يعني هذا بالطبع التعميم على جميع الأطباء أو العيادات؛ فكثير من الأطباء يحرصون على توفير بيئة محترمة ومريحة لمرضاهم. لكن الظاهرة، حيثما وجدت، تستحق أن تُطرح للنقاش، خصوصاً عندما تصبح العيادة مكاناً يستقبل أعداداً كبيرة من المرضى بصورة يومية.
فالعيادة التي تعالج المرضى ينبغي، في أبسط صورها، ألا تجعلهم يبحثون عن حمّام خارجها.
