هذه أخطر قضية جنائية مثلت فيها الاتهام: (تعقّب المحامي لقتله)
قصة قانونية حقيقية يروي فيها المستشار الطيب مضوي شيقوق تفاصيل محاكمة يونس، قائد عصابة أرعبت قرى النيل الأزرق، وما أعقب الحكم من هروب ومطاردة ومفاجأة كادت تودي بحياة رجل بريء.
توثيق القصة
توثيق: المستشار الطيب مضوي شيقوق
نشرت القصة في حلقات بمنتدى سودانيز أونلاين خلال الفترة من 31 أكتوبر إلى 3 نوفمبر 2011، وجمعت هنا في نسخة واحدة مرتبة للفصول، مع الإبقاء على المداخلات التي أضافت نكهة المنتديات السودانية الأصيلة.
الفصل الأول: أسطورة الرعب «يونس» وعصابة النيل الأزرق
تبدأ أحداث القضية الشهيرة والمرعبة التي كُلفت من قبل حكومة سنار لتمثيل الاتهام فيها؛ رغم أن الاتهام في القضايا التي تشغل الرأي العام وتمس أمن المواطنين ينبغي أن يتولاه المدعي العام عبر وكلاء النيابات.
المتهم في قضيتنا هذه اختار أن يعيش هو وأسرته في ولاية سنار، وكان يتراوح عمره — حتى لحظة مشاهدتي له عام 1994م وهو في قفص الاتهام — ما بين 42 إلى 45 عامًا. كثر الحديث عنه كقائد لكتيبة إرهابية مع مجموعة أفراد من القبائل العربية.
قبل أن يتم القبض عليه، اعتاد هو ومجموعته ركوب عربة «بوكس» مدججين بالكلاشينكوف والـ«آر بي جي» لترويع المواطنين ونهب ممتلكاتهم. كانوا يقاطعون عربات الركاب في وضح النهار ويشهرون السلاح نحوهم مهددين بإطلاق الرصاص إن لم يسلموا كل ما بحوزتهم. بل كانوا يطالبون الركاب من الرجال — الذين لم يجدوا عندهم ممتلكات — بأن يرقصوا لهم أمام النساء «رقيص الرقبة» إمعانًا في الإذلال والإهانة.
اشتهرت حوادثهم هذه بين كركوج، وقرى اللكندي، وأبو تيقة، وبنزقة، وأم درمان فلاتة، وحتى الرصيرص شرق النيل الأزرق. وأحيانًا يعبرون غرب النيل الأزرق لإرهاب مواطني قرى الدالي، والمزموم، وأبو نعامة، وود النيل، وظلوا هكذا بعبعًا مرعبًا لكل مسافر لعدة سنوات.
الفصل الثاني: التكليف بالمهمة
كنت وقتها أعمل محاميًا في مدينة السوكي مع اثنين أو ثلاثة من المحامين الذين اختاروا بداية مشاويرهم في «مناطق الشدة» من شرق سنار: كساب الجعليين، ومسرة، وحمدنا الله. وهي مساحات زراعية مروية تمتد لتشمل القرى الموازية للضفة الشرقية للنيل الأزرق: مايرنو، وطلحة، وصابون، وفقاد، والبساطة، والتريرات.
كنت جالسًا أمام منزلي بالسوكي أتأمل في الدنيا، وفي تلك اللحظة أتاني مدير شرطة محافظة الدندر، العقيد حمزة علي سعيد، حفيد الدكتور التجاني الماحي، ومعه مجموعة من الضباط.
العقيد حمزة: «يا أستاذ الطيب نحن جايينك لأمر ضروري ومتعلق بشأن عام».
الطيب: «خير يا سعادتك؟ شنو الخبر؟»
العقيد حمزة: «قبضنا العصابة... يونس وجماعته. أها يا أستاذ نحن جيناك لتتبرع بتمثيل الاتهام، ومستعدون لتوفير الحماية لك طيلة إجراءات المحاكمة».
قرر قاضي المديرية ألا تكون المحاكمة في قاعة المحكمة العادية، وإنما في أحد فصول مدارس كركوج الواسعة ليتسنى للجمهور مشاهدة العصابة والمرافعات. وتم تكليف القاضي فخر الدين حسن عز الدين، القاضي المقيم بالسوكي، ليكون رئيس المحكمة.
توفرت لي معلومات عن شخصية يونس من خلال يومية التحري؛ فقد كان مطلوبًا من عدة جهات في السودان لهروبه العجيب من زنزاناتها. وذكر ضباط شرطة كركوج أنهم تلقوا إشارات من كوستي والقضارف تفيد بأن يونس يتعاطى حبوبًا تغنيه عن الطعام، ليضمحل جسمه حتى يتمكن من الخروج من بين فتحات أسياخ الحراسة.
الفصل الثالث: الطريق إلى كركوج وسيرة «السلمابي»
وصلت المحكمة بكامل هيئتها إلى مدينة كركوج، وكان في استقبالنا العم الراحل الحاج عبد العزيز أبو حطيبة والراحل عثمان النور. تحركنا صوب مسيد الشريف التجاني، خليفة الشريف محمد الأمين الخاتم، كإجراء عرفي للزوار. وهناك أُكرمنا بإفطار فاخر جدًا.
في طريقنا لاحظنا لافتة مكتوبًا عليها «مستشفى السلمابي». سأل القضاة عنه، فأجاب عثمان النور بأنه المرحوم محمد أحمد السلمابي، ولد بالقضارف، وثقف نفسه حتى بات من قراء وكتاب الصحف، وأسس صحيفة «صوت السودان» في الخمسينات التي سميت «صحيفة الدكاترة» لعمل نخبة من المثقفين بها، كالدكتور محي الدين صابر وعقيل أحمد.
ولما تدفق عليه المال، وظفه في أعمال البر والإحسان وأسس عنابر السلمابي في مستشفيات عطبرة، ومدني، وكسلا، والقضارف.
من ذاكرة كركوج
مدرسة كركوج التي شهدت المحاكمة درس بها الشريف الخاتم، أول من أسس بنك فيصل، والرشيد الطاهر بكر، ومهدي إبراهيم، والدكتور الفاتح علي حسنين.
الفصل الرابع: مشهد المحكمة وسقوط الأسطورة
وصلنا المحكمة ووجدنا جحافل الشرطة مصطفة مدججة بالسلاح. لزم القضاة كراسيهم، وضرب أحد أفراد الشرطة الأرض بقوة صائحًا بصوت مرعب:
«محكمة!»
محاميا الدفاع كانا: قمر الدين محمد الحسن واني، وفرح أحمد محمد تيركة. وقد نالا كلمات جارحة من الجماهير لدرجة مطالبتهما المحكمة بتوفير الحماية لهما من غضب الجمهور.
أما أنا فقد كنت أحظى برضا الكل لأنني أسعى لإعدام العصابة، رغم أن القضاة وأنا تلقينا تهديدات بالتصفية في منازلنا من رفاق يونس الطلقاء. لهذا طلبت من الشريف التجاني «فاتحة كاربة»، فقال لي:
«توكل على الله يا الطيب، قشة ما تعتر لك».
طلب القاضي إحضار المتهمين. عاد الشرطي طالبًا المساعدة لأن يونس لا يتحرك ونائم كجثة هامدة. توقعنا رؤية عملاق، لكن ظهر شرطي بدين يجر يونس من يديه بظهره، وشرطيان يمسكان بقدميه، وتبين أن وزنه لم يزد عن 45 كيلوغرامًا.
أُلقي في القفص ولم يحرك ساكنًا، لكني لاحظت إحدى عينيه تسترق النظرات خلسة، يبحث عن أشخاص سمع بهم ولم يرهم. رفض الإجابة على أسئلة القاضي مدعيًا اللاوعي.
الفصل الخامس: أقوال المتحري وسقوط العصابة
بدأ المتحري سرد الوقائع.
في صبيحة أحد الأيام، اعترضت العصابة الملثمة عربتين «أوستن» و«سفنجة» متجهتين من أبو تيقة واللكندي إلى كركوج. أشهروا السلاح قائلين:
«لو أي واحد فيكم رفع يدو أو اتحرك طوالي بنلحقو أمات طه».
سلبوا الركاب، ونفسوا إطارات إحدى العربات، وأجبروا سائق الأخرى على التحرك بهم نحو غابات جبل كردوس.
هناك فكرا في تصفية السائق، لكنه ترجاهما. فتراجعا، ونفسا إطارات سيارته، وكتفاه من الأرجل والأيادي وتركاه في الخلاء. بعد ساعات وصلت الشرطة متتبعة أثر الإطارات ووجدته يكاد يموت عطشًا.
تتبعت القوة الأثر غربًا حتى النيل الأزرق عند قرية «ود النيل». وجدوا صاحب معدية مليئة بالقصب سألوه، فقال:
«جوا نفرين شايلين بطاطين، عبروا وما دفعوا وقالوا لي أمشي اشتكي محل يعجبك».
أعطت الشرطة صاحب المعدية «سفة تمباك مانعة» ليرضى، وعبرت قوة من أربعين فردًا النهر.
حاصرت الشرطة سوق ود النيل. السائق المخطوف كان معهم، وتعرف عليهما داخل «مطعم قش» قائلًا:
«لابسين عراريق دمورية وسراويل طوال وحجبات في بطونهم».
تقدم عسكري يمتلك حجابات ضد الرصاص، وداهموا الراكوبة وقبضوا عليهما.
الفصل السادس: دهاء المحاماة وصلاة الجمعة
بدأ محامي الدفاع قمر الدين واني بمناقشة المتحري، وركز بقوة على فئات العملات النقدية المسروقة، وهي المعروضات، لتشكيك ملكيتها، مما أربك المتحري جدًا.
أدركت الخطر، وبسرعة طلبت من المحكمة رفع الجلسة بحجة أداء صلاة الجمعة. خرج المتحري متذمرًا ليصلي، فلحقت به وقلت:
«تفتكر أنا طلبت رفع الجلسة عشان إنت تمشي الصلاة؟ ياخ أمشي رتب فئات عملاتك كويس وتعال!»
بعد الاستراحة، عاد المتحري متماسكًا ورد ببراعة. ثم أعدت أنا مناقشته، Re-examination، لترميم شروخ الدفاع، وأغلقنا قضية الاتهام.
مداخلة محجوب البيلي
«بسؤال واحد يحصل على الإجابة من المتحري وينحني للمحكمة ويروح منتكي في كرسيه... لم يتح لي أن أشهد هذا الموقف لايف، ولكني رأيته عشرات المرات على الشاشة».
الفصل السابع: النطق بالحكم
في يوم النطق بالحكم، كسر أهالي كركوج وأبو تيقة واللكندي ودونتاي والدبيبة وأبو حميد وغيرها أعمالهم وحضروا للمحكمة.
تأخر القاضي فخر الدين لإضفاء الهيبة، ثم دخل بسرعة صاروخية. صرخ الحاجب «محكمة!» بصوت هز زنك المدرسة. قرأ القاضي الحيثيات لأكثر من ساعة، ثم نطق بالحكم:
الإعدام مع الصلب، مع التوصية بإحكام حبسه لئلا يهرب.
أُحيل يونس إلى سجن ود مدني المدني.
الفصل الثامن: الهروب الكبير والشبيه المذهل
مضت ستة أشهر وانتقلت للعمل في مدينة الدندر. ذات يوم، زارني ضابط سجون من ود مدني وقال لي:
«يونس هرب من سجن مدني ومستهدفك أنت!»
في صباح أحد الأيام، ذهبت لزيارة ابن عمي علي بانقا شيقوق في قريتي البردانة. دخلت خلوة العمال، فوجدت رجلًا نائمًا على «عنقريب قِد»، يرتدي عراقي دمورية وحجابات في ذراعيه.
إنه يونس بشحمه ولحمه!
تراجعت، وسألت ابن عمي عنه، فقال ببراءة:
«دا جدي حسين، عامل شغال معاي قوي، بيرفع جوال السمسم بيد واحدة، بس بهلوس في النوم وعندو مخلاية ما بيرضى حد يهبشها».
أخبرت الشرطة والقاضي أمبلي، فطوقوا منزل علي بانقا. حاول الرجل الهرب نحو الزراعة فقبضوا عليه، ولم يقاوم إلا دفاعًا عن مخلايته.
في مركز الشرطة حضر القاضي ومحاميه والشرطة، وأجمعوا كلهم تحت القسم أن هذا هو يونس. أرسل سجن مدني قوة استلمته وأعادته للسجن.
الفصل التاسع: الموت يطرق الأبواب
بينما نحن مطمئنون أن يونس في السجن، حضر لمكتبي الشابان الهادي بشير الإمام والهلالي التهامي، من كبار تجار قرية أبو تيقة، بعربتهما البوكس للتوثيق التجاري. ذهب الهلالي، وبقي الهادي يشرب الشاي.
رن هاتف المكتب، وكان المتصل التاجر الهادي فرج. أعطيت السماعة للهادي بشير، وفجأة سقطت كأس الشاي من يده، وبدأ يصرخ ويبكي:
«الهلالي... قتلو يونس في الطريق هسع!»
قلت له مذهولًا:
«يونس شنو؟ يونس في سجن مدني!»
رد باكيًا:
«لا لا يا الطيب، قالوا يونس ومؤكد يونس».
هبت المنطقة كلها للبحث عن القاتل.
الفصل العاشر: أسد جبل كردوس والمفاجأة
قاد الرائد شرطة إبراهيم قوة تتبعت أثر القاتل إلى غابات «جبل كردوس». تخفى أفراد الشرطة في هيئة «جنقو»، عمال فحم، بملابس متسخة وركبوا لوري «أوستن».
في قرية «أبقرة»، سأل وكيل عريف، يتقن لهجة يونس، امرأة عجوزًا من قبيلته عنه. فقالت:
«يونس هنا اسمو الأسد... هسع قاعد يشرب قهوة في القطية ديييك».
داهم الشرطي محمد عمر، من أولاد البرنو ويمتلك حجابات، القطية ذات الصريفين. قفز يونس بسلاحه الكلاشينكوف، فأمطره محمد عمر بالرصاص، لكن يونس كان «ينفض الرصاص زي اللالوب» بفضل حجاباته.
التحما في مصارعة عنيفة، فدخلت بقية القوة وانهالوا عليه بعقب البنادق والعكاكيز حتى أُغمي عليه. صرخت صاحبته:
«أمانة ما كتلتوا راجل... غفلتوهو بس!»
نُقل يونس إلى مستشفى الدندر حيث لفظ أنفاسه. ولتبديد الرعب، حُمل جثمانه وطيف به في كل قرى المنطقة ليتأكد الجميع أنه يونس الحقيقي.
وماذا عن الرجل الذي قبضناه في البردانة وأودع السجن؟
لقد كان مجرد عامل مريض بالذهول، «يخلق من الشبه أربعين». تطابقت ملامحه تمامًا مع يونس، ولولا مقتل يونس الحقيقي برصاص الشرطة، لتم إعدام ذلك المسكين جورًا. وأخيرًا أُفرج عنه بعدالة السماء.
«ما ضر عالمنا إذا هو لم تكن فيه قرابين وفيه ضحايا».
مقتطفات من تفاعل المنتدى
ناذر محمد الخليفة
«غايتو يا المسنوح الشحتفة دي التقول زارعتها في كيبوردك دا زراعة! الدنيا قبايل عيد وقصتك دي حا نقضي بيها نهاراتنا».
عبد الكريم الأمين «كيكي»
«تخيل يا شيقوق شولة في الحكي ده ما خليتها تشرد... لدرجة إني صحيت الصباح بدري قلت أحصل اللاندروفر وأتكامل سوق السوكي. أوسكار كبير يا الطيب وسعفة ذهبية!»
محمد فضل الله المكي
«هيع! يونس الأصم... علي الحرام الزول ده أصلو ما بيكبر، لاقيتو قبل أسبوع في ميدان أبو جنزير، قال لي اشتريت فيزة راعي وماشي عمان! يا ود شيقوق شوف ليك مصرف أتخارج فيهو!»
عثمان موسى
«قصتك دي من أفلام الجريمة النادرة في أمريكا. ده شغل أكشن يخلي الشباك مولع نار!»
كمال كرار
«الحلقة الأخيرة نبهتني لإنك ما ذكرت عمر يونس في البداية وكنت متخيلو شاب قوي... القصة المكتوبة بتخليك تشحذ مخيلتك، سامحنا يا أستاذ».
سيف الدين عيسى مختار
«سرد باذخ فقرة فقرة... سيكتمل هذا النص كرواية لو طرزتها بنبذة عن يونس وظروفه التي حولته من الشجاعة لسادية مقيتة. وقصة الهروب بالسحر تفسر تغلغل الدجل في نفوس الناس».
الدكتور محمد إبراهيم قرض
«هل قتل الهلالي لأنه ينتسب لعائلتكم أم للأخذ بالثأر؟ هل تم إجراء فحص DNA للمزعوم يونس؟»
ورد الطيب شيقوق بأن الهلالي تاجر من أبو تيقة، وأن يونس تعرف عليه الأهالي دون حاجة إلى فحص DNA لأنهم يعرفونه شخصيًا.
التعليقات المنشورة
0