قصتي مع المدرب العالمي الذي كاد أن يكون سببًا في طردي من كلية الحقوق
حكاية سودانية ساخرة بدأت بمدرب لكرة القدم استقبلته قرية السريفة بالذبائح والكرم، ثم انتقلت إلى جامعة الخرطوم وانتهت بكشف محتال سرق المظاريف البريدية، وكاد أن يورّط طالب الحقوق الذي آواه بحسن نية.
«يا إخوانا أرجوكم، خلوني أكمل الامتحانات أولًا، وبعد داك ودوني المشنقة!»
بطاقة التوثيق
الكاتب: الطيب شيقوق
تاريخ النشر: 09-11-2011، 06:08 مساءً
المصدر: منبر سودانيز أون لاين — أرشيف الربع الرابع لعام 2011م
التصنيف التحريري: قصة اجتماعية ساخرة من الذاكرة السودانية
فتح البوست الأصلي في سودانيز أون لاين
اللقاء في ود مدني والرحلة إلى قرية السريفة
بدأت القصة في عام 1983م، عندما التقى شاب من دولة عربية شقيقة، في مقتبل العمر، بصديقي الملازم شرطة وقتها أحمد إبراهيم الجراي. كان الأخ أحمد رجلًا طيبًا وعفويًا وعلى نياته، ويسكن في قريته السريفة، وهي إحدى قرى محلية الدندر.
تقابل صديقي أحمد مع هذا الشاب في أحد المقاهي بمدينة ود مدني. قال الشاب للأخ الملازم: «أنا أعمل مدربًا لكرة القدم في بلدي، ولدي الرغبة في أن أعمل بالسودان».
وكان الأخ أحمد مكلفًا من قِبل أعضاء نادي قريتهم للبحث عن مدرب للفريق الرياضي؛ وعلى الفور عرض على ذلك الشاب العمل معهم لتدريب فريق القرية. تفاكر الاثنان حول العرض واتفقا عليه، على أن يأتي الشاب إلى القرية بعد أسبوع من ذلك اللقاء.
أبلغ الملازم أحمد شباب القرية بالاتفاق، ففرح الجميع وبدأوا يجهزون أنفسهم لاستقباله. انتظر ناس الحلة كلهم، حتى النساء، ليروا هذا «المدرب العالمي». وطلب اللاعبون كسوة رياضية جديدة تبرع بها أحد الخيرين بالقرية. واحتفاءً بمجيئه، جهز الناس عجلًا متلابًا — أي سمينًا — ليذبحوه كرامةً للضيف.
تأخر أحمد الجراي في مرافقة المدرب، وكان يريد الحضور معه إلى الحلة «الحجل بالرجل» ليفاخر به أمام أهله وبنات عمومته. وسمعت القرى المجاورة كلها، بما فيها قرية البردانة — قرية الراوي — بالخبر، وانتظروا يوم حضور المدرب العالمي.
بالطبع، زمان لم تكن هناك هواتف نقالة لمتابعة التحركات من ود مدني مرورًا بالحاج عبد الله وود الحداد وسنجة والدندر، وصولًا إلى محطة الاستقبال بقريتنا.
صدمة الوصول والامتحان الأول
كانت الحلة في حالة استعداد كامل، والعجل يربض تحت ظلال الأشجار في انتظار المفاجأة، إذ كان الضيف زمان يأتي دون سابق إنذار. غربت الشمس، ولمّ الناس بهائمهم في الزرائب، وولعوا لها التقابات — الدخان المستخدم لطرد البعوض. كانت الدنيا ليلة قمراء بيضاء، وخرج الأطفال يلعبون في الملاعب الترابية.
فجأة، سمع الأطفال صوت سيارة «برينسة» تقترب من أطراف الحلة. جرى الأولاد نحو الصوت، ووجدوا السيارة قد غرزت في طين الخور الواقع خلف الحلة، ورأوا رجلين واقفين في حيرة.
اقترب الأولاد وفرزوا عمهم الملازم أحمد الجراي، ورأوا معه رجلًا غريبًا أبيض البشرة. صرخ أحد الأطفال:
المدرب جاء! المدرب جاء!
ملص الأطفال قمصانهم وربطوها على خصورهم وبدأوا يدفعون البرينسة من الوحل حتى خرجت ودارت، وسط هتافاتهم المتواصلة.
دخل المدرب الدولي إلى الحلة والناس ينتظرونه جماعات. وكان قد اختار أسمح ملابسه لمقابلة الأهالي، لكن البرينسة رشت ملابسه من الخلف بطين البادوب الأسود — طين أراضي الدندر المخلوط بالماء — وتركته كالمبرص.
أصيب المدرب بنوع من الإحباط، وقبل أن يصل التفت إلى أحمد الجراي وقال له:
ميدانكم منجّل؟ إزاي هتدرب فريقكم في المطر والطين ده؟
طمأنه أحمد بأن الأيام ليست كلها هكذا. ثم وجّه السائق ليذهب بالمدرب إلى خلوة متطرفة بعيدة عن أعين الجماهير، ليزيلوا الطين عنه ويحضروا له جردل ماء وطشتًا ليتبرد ويغير ملابسه قبل لقاء الناس.
أم فتفت والبرش المزركش والديوان الزنكي
بعد أن استحم وهندم نفسه، خرج المدرب للجماهير الذين كانوا يقفون صفوفًا، وبدأ يسلم عليهم من أول الصف إلى نهايته.
وفي تلك الأثناء ذبح الجماعة الثور وهم يكبرون، ونادوا المدرب ليخطو فوق دم الذبيحة لزوم البركة، ولسان حال أهلنا يقول: «يدينا خيرك ويكفينا شرك». تخطى المدرب الكرامة وهو لا يفقه شيئًا من هذه العادات.
ساقوه بعد ذلك إلى راكوبة واسعة، وجلس على عنقريب قدّ مهول، مفروشة عليه مرتبة مريحة، وفوقها برش صارموجة مزركش بعدة ألوان من التفتة الملونة.
لمس المدرب بأنامله ضفيرة البرش وعجبه، وعلق قائلًا:
هذا سجاد حلو أوي، إزاي بتصنعوه؟
رد عليه أحد الكبار: «دا برش غالي، كمّل قروشنا جت جت»، أي كلها. استفسر المدرب عن معنى «جت»، فنط رجل آخر وقال: «خليني أجلس حداك لأبين ليك يا سيادة المدرب». والتفت المدرب مستفسرًا من الملازم أحمد: «إيش حداك؟»، فأجابه: «يعني محازيًا لك أو جنبك».
من عادات أهلنا عند ذبح الثور إحضار أم فتفت النية — أحشاء الذبيحة — مع فنجان من العنّي، وهو مستخلص من مرارة الذبيحة مع البهارات، كوجبة سريعة للضيف.
جلبوا أم فتفت في صحون صغيرة، ووضعوا صحنًا مانعًا أمام المدرب العالمي وقالوا له: «بسم الله وابدأ أكل». صدم المدرب وقال:
لحمة نية؟ لا عفوًا، أنا ما باكلش لحمة زي دي!
وجلس يراقبهم وهم يأكلون بنهم.
استعجلوا له وجبة العشاء المطبوخة، وبعدها قام المدرب وخاطب الجماهير بكلمة عصماء ورصينة، تخللتها مفردات لم يستوعبها أهل الحلة كثيرًا. شكرهم ووعد ببدء برنامجه التدريبي بعمل لقاء تنويري مع الفريق في صباح اليوم التالي، فصفقوا له شديدًا.
اعتذر بعد ذلك لعدم قدرته على السهر، وطلب الذهاب إلى محل رقاده. ذهبوا به إلى ديوان الحاج الجراي، وهو ديوان واسع يتوسطه سرير مفروش، ونُصبت عليه ناموسية للحماية من البعوض، ووضعوا له تحت العنقريب كورة نعومة مليئة بالحليب كعادة أهلنا.
شرب الرجل الحليب ونام، وكان الديوان معروشًا بالزنك وفيه ثقوب من مسامير التثبيت.
بعد أن نام الناس، شلع بريق قبلي — برق من جهة الجنوب والشرق — والمعروف عندنا في الصعيد أن البرق القبلي إذا شلع، فإن مطره مضمون. جلب البرق سحابة سوداء، والمدرب نائم يشخر.
بعد نصف ساعة بدأ الزنك يصدر صوتًا: طق طق. ثم زاد المطر انهمارًا وصخبًا، وتخللته حبات من البرد كأنما حجارة تضرب السقف، مما زاد من قلق المدرب.
وبسبب غزارة المياه امتلأ السقف وبدأ يصب داخل الديوان. قام المدرب منزعجًا من النقيط على سريره، وصار ينزوي في أركان الديوان والمياه تلاحقه، ناهيك عن البعوض الذي خرج من الناموسية يقرص ويزن في أذنيه. وظل صاحيًا مرهقًا حتى الصباح.
امتحان الحمام السري وإعداد الفطور الإفرنجي
أصبحت الواطة ممطورة مطرة سمحة بعد صبنة طويلة كادت أن تحرق مزارع الذرة والسمسم. استبشر أهل الحلة بالمدرب الدولي وقالوا: «كراعه لينة فيها البركة»، لأن المطر تزامن مع قدومه.
جاء الجميع صباحًا إلى الديوان، وكل واحد شايل شايًا أو قهوة معها شعيرية أو قمح مدور. والمشكلة الكبيرة عند أهلنا أن أي شخص أحضر شيئًا يجب على الضيف أن يتذوقه، ولا مجال للاعتذار. تعب المدرب من كثرة شرب الشاي والقهوة وأكل القموح.
أراد المدرب الهروب من هذه الضيافة، وقال للملازم أحمد: «وديني الحمام يا أخ». ملأ أحمد الإبريق ماء وقال له: «أرح».
تقدم أحمد والمدرب خلفه حتى خرجا من الحلة تمامًا وتوسطا أشجار اللعوت والكثر الشائكة القائمة بطرف الخيران. سأل المدرب بذهول:
إزاي ماشي بينا بعيد كدا؟
رد أحمد: «اصبر اصبر، قربنا نصل الحمام».
كان هذا قبل سنوات طويلة؛ أما الآن فقد تغيرت السريفة وأصبحت الحمامات مجهزة. وهكذا عاد المدرب العالمي مع الملازم الجراي إلى الديوان وهو مشحون بالمرارات التي لم يجرؤ على الإفصاح عنها.
انصرف أهل القرية بمواعين الشاي، وبدأ الحراك النسوي في بيت الملازم أحمد لإعداد مائدة إفطار خاصة للمدرب.
وكانت هناك شريحة من النساء يطلق عليهن «النسوة الغريبات» — المحسيات والشايقيات والدنقلاويات المتزوجات في القبيلة — وكان يناط إليهن إعداد الأكل الإفرنجي للضيوف، مثل الكفتة والمحشي والقيما والسجق، ووضع البيض بطريقة هندسية محاطًا بالخضار، وصناعة التحلية بألوانها الزاهية.
أما العمات والخالات من أصل القبيلة فقد كُلفن بتنظيف أحشاء الخروف وعمل المرارة: الكبدة والفشفاش والكلى النية مع المرارة وفنجان العنّي. وهي مهمة لا توكل للغريبات لعدم احترافيتهن فيها.
نقل الشباب الفطور إلى الديوان. وُضعت الصواني الأولى العادية: كسرة، ورغيف، وصحن دمعة، وصحن مرارة يغلب عليه الفشفاش، وصحن شعيرية مفلطح.
ثم حضر شابان يحملان صينية ضخمة، كل منهما عاضٍ طرف جلابيته بأسنانه من ثقل الصينية؛ وكانت هذه المائدة الخاصة بالمدرب، ليشاركه فيها وجهاء القرية والرسميون المعنيون بالرياضة في ريفي الدندر.
تم توسيط المائدة في نص السباتة، وبأطرافها تباريق ليجلسوا عليها. وكان صحن المرارة النية أمام المدرب، فلم يمد يده إليه، ولكنه لاحظ الآخرين يمدون أياديهم بشراهة ليخمشوا الكبدة وأم فتفت.
بعد تناول الإفطار، قام المدرب وخاطب الجماهير — وكانت النساء يقفن وراء صريف القش ويراقبن عبر الفتحات — وبيّن لهم محاور استراتيجيته التدريبية:
بعد إجراء بعض التدريبات، قرر المدرب العالمي السفر إلى الخرطوم مع أخينا الملازم أحمد الجراي.
الانتقال إلى جامعة الخرطوم والعيش الملح
كنت آنذاك طالبًا في السنة الثالثة بكلية الحقوق جامعة الخرطوم، وساكنًا في داخلية فلسطين التي يفصل بينها وبين الكلية شارع الجامعة.
وكان صديقي الملازم أحمد الجراي يزورني في الداخلية أحيانًا وهو يرتدي ملابس مدنية — كاجوال — لأن العساكر كانوا وقتها يتحفظون من دخول الحرم الجامعي بملابسهم العسكرية.
عند الساعة السادسة مساءً كنت جالسًا مع بعض الزملاء على النجيلة نرتشف شاي المغربية من البوفيه الذي يتوسط ثلاث داخليات، وكنا نرتدي العراريق والسراويل الطويلة.
أتاني أحد الزملاء مهرولًا وأبلغني بوجود ضيفين في عنبري؛ أحدهما سوداني والثاني عربي. شربت الكوب سريعًا واستأذنت وتوجهت إلى العنبر، فوجدت صديقي أحمد ومعه الضيف.
رحبت بهما، وأحضرت لهما الشاي، وبدأت الحديث مع أحمد نسأله عن أحوال الأهل في الدندر، وكيف الخريف، والبهائم هل هي شبعانة أم ضارباها السوفة؟
كان الضيف الأجنبي يتلفت يمينًا وشمالًا غير آبه بحكينا. بعد ذلك طلبت منهما الذهاب معي إلى كافتيريا النشاط لتناول بعض المشروبات الراشدة.
ذهبنا، وكانت هندمة الضيف الوجيه تشغل أبصار الجكس في الجامعة. طلبنا الحاجات الباردة والمثلجات، وكان المدرب العالمي يتحدث معنا بصوت منخفض جدًا لا تكاد تسمعه إلا إذا أرخيت أذنك، لزوم البرستيج والوجاهة، والطلبة والطالبات يراقبوننا.
بعد انتهاء الجلسة عدنا إلى الداخلية لتناول وجبة العشاء في الصفرة. في ذلك الزمان، لو زارك عشرة ضيوف يمكنك أخذهم جميعًا إلى صفرة الجامعة؛ يمسك كل طالب صينية ويملأها بما يشتهي من الأرز والشعيرية والألبان والطحينية واللحوم. والحاجة الوحيدة التي لم تكن موجودة هي كبدة الإبل النية والعنّي!
خمش المدرب العالمي الصينية وضاعف من كل صنف، ثم سألني بذهول:
الأكل ده كدا كل يوم وفي كل وجبة؟ وبتدفعوا عليه؟
قلت له: «لا أبدًا، دا كلو ملح ساكت» — أي مجانًا.
انكيف الرجل كيفًا غير عادي. أكلنا جيدًا وعدنا إلى الداخلية للراحة.
بعد أن تونسنا عن مصاعب رحلته إلى قرية السريفة وطلوع الخيران، طلب الملازم أحمد الإذن بالمغادرة، لكن المدرب العالمي قاطعه قائلًا:
يا أخي أحمد اعذرني، أنا تاني ما بقدر أرجع بلدكم، وبحاول أقعد مع الطيب هنا في الجامعة لحدي ما أجد لي فريقًا رياضيًا خرطوميًا لتدريبه.
ألح عليه أحمد بالذهاب معه لمكان إقامته لمزيد من التفاكر، ولكن دون جدوى؛ فقد حرن المدرب على الإقامة معي في الجامعة.
مظاريف الأسرار والهدية الصوفية
بالجد، أزعجني جدًا إصرار المدرب على البقاء معي. الطالب في الداخلية مخصص له سرير واحد، ولو تحملته ليلة، فإن مبيته لأيام سيسبب مضايقة للزملاء في العنبر؛ إذ كان العنبر مخصصًا لأربعة طلاب فقط، والسراير معدة بنظام طابقين.
صحيح كنا نستضيف الأصدقاء والأهل للفينة والأخرى، ويمكن الحصول على سرير فاضي لغياب صاحبه، أو خمش مرتبة زائدة ورميها على البلاط. لكن أن يأتيك شخص غريب وأجنبي ومدرب عالمي، فهذا يحتاج لأن تقف له ألف أحمر لتستر حالك.
في اليوم الأول نوّمته في سريري وذهبت للمبيت مع بعض الزملاء. ولما جئت صباحًا باكرًا وجدته قد ذهب إلى الصفرة مباشرة لشرب الشاي.
انتظرته حتى عاد، فأخبرني بأنه مستعجل وطالع للخرطوم بحثًا عن عمل وسيعود مساءً، وقال لي:
اليوم المساء لا ترتبط بأي حاجة، أنا عازمك مع زملائك في العنبر في فندق راقٍ جدًا على شاطئ النيل.
فرحت فرحة غير عادية، وقلت في نفسي إن هذا الرجل مليء بالفلوس، ودعوته للإخوان ستجعلهم يقبلون إقامته معنا.
هندم نفسه وتعطر، وطبق حقيبته وتوجه إلى المدينة وترك بعض لوازمه. لكنه لم يعد في مساء ذلك اليوم، ولم ندر أين اتجه، ولم تكن هناك وسيلة للاتصال به. فتملكني القلق عليه كونه ضيفًا أجنبيًا.
ولم يعد أيضًا في صبيحة اليوم الثاني، فتملكتني الحيرة: هل أذهب للشرطة للتبليغ عنه؟ أم أصبر لعل له معارف في الخرطوم؟
تحركت في ذلك الصباح للمحاضرات، وكنت شارد البال قلقًا. وكانت زميلتنا أميرة تحكي لي شيئًا، ولم يكن تفاعلي معها بالطريقة المألوفة، فلاحظت حيرتي وقالت:
مالك يا الطيب؟ حاسة بيك اليوم ليس كالأمس، شنو الحصل؟ بعتني؟ بدلتني؟ سمعت حاجة ولا جابوا ليك كلام؟
قلت لها: «دا كلو ما حصل يا أميرة، أنت حاشاك البيع. الحاصل إني منزعج من ضيف غريب وأجنبي جاني في الداخلية وترك موجوداته في عنبرنا وطلع ولم يعد».
قالت لي مطمئنة: «ما تقلق، بيكون مع أحد معارفه».
انتهت فترة الدراسة وعدت للداخلية، تناولت الغداء ونمت. وكلما وقعت عيني على عفش المدرب في العنبر عاودني القلق.
تحركت وقت العصرية إلى الميدان الشرقي للجامعة، حيث تقام مباراة بين طلاب كلية الآداب وكلية الاقتصاد، وانتهت بفوز الآداب. عدت إلى العنبر وعادت الهواجس.
أمسكت بكتاب أتصفحه، وفي تلك اللحظة جاءني الملازم أحمد الجراي ليسلم على المدرب. أخبرته بأنه خرج قبل يومين ولم يعد. قال لي أحمد: «ما تنزعج، المدرب دا غالبًا يكون ذهب لأحد أصدقائه في جزيرة توتي».
تونسنا حتى العاشرة مساءً، ثم غادر أحمد إلى مسكنه في بري، وعدت أنا للنوم.
عند الساعة الثانية عشرة ليلًا سمعت طرقًا على الباب. فتحت، وكان العائد هو المدرب العالمي، يحمل مظروفًا منتفخًا.
سألته: «أين ذهبت يا أخي محمد؟ لقد أقلقني تأخرك». قال: «آسف يا أخي الطيب، كنت أبحث عن فريق رياضي وحصلت على عروض لكنها غير مجدية».
ثم أفرغ المظروف على سريري، وكانت محتوياته صورًا فوتوغرافية لعوائل معروفة في الخرطوم وأم درمان وبحري، وخطابات كثيرة جدًا تعمد فتحها أمامي. وأغلبها رسائل عاطفية وخطابات من طلاب يدرسون بالخارج إلى ذويهم في السودان.
سألته مستغربًا: «من أين لك بهذه الخطابات يا محمد؟» قال لي:
عليك أن تقرأ وتتصفح وتستمتع بس، أما من أين لي بها…
وسكت كأنه يقول إن هذا ليس من شأني.
قلت له: «لكن دي أسرار وحاجات خاصة بأسر وعائلات، كيف لي الاستمتاع بتقصي أسرار الناس؟» رد: «لا تنزعج يا أخي الطيب، طول بالك وحتشوف ألف خير».
ثم وضع المظروف داخل دولاب ملابسي. سحبت له المرتبة على الأرض لينام عليها، وافترشت البطانية على السرير ونمت من شدة التعب.
في الصباح صلينا وذهبنا إلى الصفرة لشرب الشاي. وأثناء تجهيز نفسي للخروج قال لي إنه مصمم على الذهاب إلى مدينة بحري بحثًا عن فرق محتاجة إلى خبير تدريب.
خرج قبلي تاركًا جميع لوازمه، بما فيها المظاريف داخل دولابي. تحركت إلى الكلية وفي بالي تساؤلات كثيرة. وعاد إلينا في وقت متأخر جدًا، حاملًا أيضًا مجموعة من المظاريف والخطابات البريدية، وكمية من الورق الأبيض في حجم A4.
كان المدرب قد لاحظ أن مذاكرتي تعتمد على القراءة والكتابة، وعادة ما أستعمل ورقًا مستعملًا للكتابة على ظهره لتركيز المعلومة، فقام بإهدائي باكتتين من الورق الأبيض الجديد.
فرحت جدًا بالهدية، لأننا أوشكنا على الانتهاء من الامتحانات والسفر للأهل بالدندر. وفكرت أن هذا الورق يمكن أن أهديه لشيخ الوالدة في قرية البردانة، الشريف عبد الله ود الخليفة، الذي اعتادت زيارته قبل إعلان النتيجة ليدعو لي بفاتحة مهولة تعمي أبصار الأساتذة المصححين!
فالورق الأبيض يستعمله مشايخ الصوفية لكتابة البخرات والحجبات الطبية.
استلمت الورق منه، وتوجه المدرب إلى الدولاب ووضع المظاريف الجديدة مع مظاريف اليوم الأول، وفتحها أمامي، وكانت تحمل أيضًا صورًا ورسائل للأسر.
تملكتني الحيرة: يا ربي المدرب دا بيجيب الحاجات دي من وين وعايز يعمل بيها شنو؟ واستمر على هذا الحال قرابة الأسبوع.
المفاجأة الكارثية والمخارجة الذكية
المفاجأة الصادمة كانت في صباح أحد الأيام، عندما طالعتنا الصحف اليومية بعناوين عريضة على صفحاتها الأولى، ومعها صورة المدرب العالمي.
وجاء في العنوان:
الصورة أعلاه لمواطن أجنبي من دولة شقيقة، تعامل مع مجموعة من السودانيين بأسماء مختلفة، منها: محمد مجدي، ومنصور سراج، وأحمد زيدان.
وفي تفاصيل الخبر:
هذا الشخص يحمل مفتاحًا سحريًا يستطيع أن يفتح به كل صناديق البريد في الخرطوم ليسرق محتوياتها، كما أنه احتال على الكثير من الأسر ونهب منها مصوغات ذهبية وأموالًا نقدية. وقد تم القبض عليه بواسطة شرطة القسم الأوسط بالخرطوم؛ فعلى من تعامل معه أو عرفه عن قرب الاتصال بالشرطة.
تخيلوا، وأنا في جو امتحانات صعبة جدًا، أفاجأ بهذه الكارثة! كل من اطلع على الصحف من أصدقائي الذين شاهدوا المدرب معي أتاني مندهشًا يطلب إيضاحات حول كيفية تعرفي عليه وكيف أدخلته الداخلية.
أصبت بحالة من الهستيريا ولم أدر ماذا أفعل. اتصلت ببعض الإخوة من الطلاب النجاض، وكان رأي الجميع أن أذهب إلى قسم الشرطة وأروي لهم قصة علاقتي به، وآخذ معي المظاريف البريدية التي في الدولاب كمعروضات.
وقالوا لي: «أبشر بالخير، نحن بنشهد ليك، بشرط يحضر الملازم أحمد الجراي لتكون شهادتنا سكين في ودكة» — أي شهادة مسبكة ومؤكدة.
بيني وبين نفسي قلت إن كلام تسليم نفسي للشرطة هذا كلام خطير، وهو كلام أولاد بندر ساكت، وسوف يورطني. والأفضل أن أفكر في درب آخر للمخارجة.
وأنتم تعلمون أن وقوع طالب الحقوق في يد الشرطة في قضية كهذه كفيل بتدمير مستقبله وطرده من الكلية قبل أن يصل القرقور إلى الزيت المغلي!
وفجأة تذكرت شخصًا قياديًا كبيرًا تربطه بأسرتنا علاقة نسابة، وهو المرحوم مولانا الباشمهندس محمد أحمد حجاز، طيب الله ثراه.
كان حجاز رجلًا قياديًا إسلاميًا، ولد وترعرع في مدينة سنجة، وكان رئيسًا لاتحاد الطلاب المسلمين في لندن. أكمل الماجستير في الهندسة المدنية هناك، وعاد وعمل شريكًا تجاريًا لرجل الأعمال محمد عبد الله جار النبي، وكانا يعملان في تجارة البن بين السودان وأوغندا عبر البواخر النيلية.
وكان لحجاز علاقة بأسرة شيقوق، وخطب وتزوج بنت عمتنا لتمتين العلاقة بين الأسرتين. وكان رجلًا واصلًا ومهيبًا، وجيوبه دائمًا مليئة بالخير والمساعدات للمحتاجين. وكان يزورني في الجامعة باستمرار في عامي 1982 و1983م.
علمت أن الباشمهندس حجاز له علاقات وطيدة بالكثيرين من صناع القرار في الدولة، فاتصلت به وأبلغته بموضوع المدرب العالمي وما نشرته الصحف، وشرحت له ظروف امتحاناتي وقلقي.
وعلى الفور طلب مني مقابلته في موقع معين صبيحة اليوم التالي.
التقيته وركبت معه في السيارة، والمعروضات — المظاريف المفتوحة — في يدي، وتحرك بي ولم أكن أدري إلى أين يتجه.
وفجأة وجدته يدخل بي مباشرة إلى مكتب مدير عام جهاز الاستخبارات — جهاز الأمن العام في عهد حكومة مايو.
حيا بعضهما بحرارة، وأنا أراقب بذهول ساكت. أحضروا لنا المشروبات الباردة والشاي، وطوالي فتح حجاز الموضوع مع سعادة اللواء قائلًا:
مش عندكم واحد مجرم أعلنتوا عنه في الجرايد؟
أجابه سعادة اللواء: «نعم، هو شخص مجرم وللأسف من دولة عربية شقيقة».
قال حجاز: «طيب سعادتك، أنت مش قلتوا أي حد تعامل معاه يجيكم؟» قال اللواء: «أيوة نعم، الإعلان الصحفي كان يقول هكذا يا باشمهندس».
فقال حجاز بثقة:
طيب سعادتك، خذ عندك هذا المجرم!
وأشار إليّ، ثم قال: «فقد كان من المتعاملين معه، والدليل خذ عندك هذه المظاريف البريدية»، وخمشها من يدي وسلمها له.
عندها علمت أن الحديث فيه نوع من المزحة الذكية المقصود بها إزالة الخوف؛ لذا تظاهرت بالتماسك التام والطمأنينة، وتداخلت في دردشتهما وقلت لهم ضاحكًا:
يا إخوانا أرجوكم، خلوني أكمل الامتحانات أولًا، وبعد داك ودوني المشنقة!
ضحك سعادة المدير، وبعد لحظة رفع سماعة الهاتف وتحدث مباشرة مع مدير شرطة القسم المعني، وحكى له قصتي بالكامل. وطلب منه استلام المعروضات مني رسميًا، وتمكيني من مقابلة المدرب العالمي في مكان حبسه للتحدث معه إن أردت، ثم إخلاء سبيلي فورًا دون أي ملاحقة تمس وضعي كطالب.
وبالفعل ذهبت وحدي إلى القسم وسلمتهم المعروضات، وانتهت الكارثة بسلام ومخارجة قانونية ذكية.
من دفتر المداخلات
أثارت القصة حوارًا شيقًا بين الكاتب وأعضاء المنتدى، وتنوعت المداخلات بين القفشات، والمطالبة بالإسراع في الحكي، واستعادة ذكريات جامعة الخرطوم، وتفسير بعض مفردات البيئة السودانية.
خالد المحرب | المدرب وامتحانات القرية
متابعين مع ابن النيل الذي لا يأكل أم فتفت، وكراعه باردة، والديوان الزنكي وساريته تجول حتى الصباح ما انفشت… دا مدرب عتينوبة ولا شنو؟
أحمد ابن عوف | قفشة الكلمة المطبعية
تشكك ضاحكًا في بعض التفاصيل، خصوصًا كلمة «كديستي» التي وردت خطأً مطبعيًا في البداية بدلًا من «كيستي»، وداعب الكاتب قائلًا:
حاشاك الكذب يا ود شيقوق… بس قلت أشاغل الزول دا بالحتة دي.
الدكتور صلاح البشير | جامعة الخرطوم وكديستي
أنا متأكد إنها جامعة الخرطوم الزمن ذاك… غايتو العالمي عرفناه، إلا كديستي دي ما راكبة تب!
ورد الطيب شيقوق ضاحكًا:
خلاص كملتوا القراية وجيتوا تنكتوا في المحن؟
البروفيسور عبد الرحمن إبراهيم محمد | حائط المبكى وذكريات الجامعة
استرجع ذكريات الجامعة وسنوات السبعينيات والثمانينيات، وسأل عن أسماء الداخليات وتغييرها، وذكّر الكاتب بحائط المبكى — سور مستشفى البيطرة — حيث كان يتجمع العشاق. كما أشار إلى قصيدة حلمنتيشية قديمة عن الخلطة وعصير المنقة والتمباك في كافتيريا النشاط وحول كلية الحقوق.
ورد الطيب شيقوق:
لله درهم… أكرمنا بالقصيدة دي يا بروف. وأولاد الضهاري ما يقربوا للمحلات البتقطع الريق دي؛ بيخلطوا في السهلة ساكت سدًا للذرائع!
كوستاوي | حقيقة المدرب العالمي
الظاهر عليه المدرب العالمي زول حرامي ومستنكح وبيستغل طيبة السودانيين… هل سمعت ليك بمصري بضيف ليه سوداني؟ وبعدين هو ذاتو ما مدرب ولا حاجة!
ورد الطيب شيقوق:
ياخ مالك كاشف جنسيتو؟ والله يا كوستاوي أي كلمة هنا حقيقة.
صديق الموج | الاحتجاج على الشحتفة
مسنوح… الناس ديل كلهم عارفينها، لكن لملوم وشحتفة جديدة علينا. ياخي سليت روحنا والله، بالطريقة دي أحلف ما أتابع ليك قصة تاني! احكي لينا قصة عن البل والسعون والبخس عشان نصدقك.
الفاتح ميرغني | كاتب سيناريو
يا شيقا سلام… ياخي بالجد أنت كاتب سيناريو لا يشق له غبار أو عاصفة رملية. واصل وبطل شحتفة.
عثمان كباشي | قصة تصلح للشاشة
تعرف يا قريبي، تنفع كاتب سيناريو لمسلسلات سمينة، خاصة مكان القفلات أو قصص بوليسية. فكل العناصر متوفرة، خاصة وجود القصة الأصلية والمقدرة على الحبك، وطبعًا لا بد من إعطاء الكريدت لأجواء حلالنا وبوادينا.
اللواء عمر علي حسن | قفشة القرقور
علق مطمئنًا الكاتب بأسلوب قانوني وأمني ساخر:
وعشان الحاجات تبقى كويسة، نؤكد للجميع أن وقوع الخال في يد الشرطة وهو طالب سيظهر لكم أنه لا خوف على القرقور قبل أن يصل إلى الزيت المغلي.
ورد الكاتب:
شفت نصيحة أولاد البندر لي شنو؟ قالوا لي اخمش المعروضات وامشي بلّغ… عيبيك! أولاد البندر شوفوها عند الغافل. أكان سويت دي أبقى حسني مبارك!
التعليقات المنشورة
0