✦ آخر مقال
مؤشرات البورصات.. كيف تُقرأ الأرقام، ولماذا تتحرك الأسواق؟
الرجوع إلى الصحافة الحديثة
الصحافة الحديثةنص كامل مؤرشفأسواق المال

لا نريد عودة البورصة فقط.. و إنما بورصة تقود الي إعادة إعمار السودان

بقلم: عضو خبير / مجلس إدارة سوق الخرطوم للأوراقالنشر: 2026-09-01المصدر: فايف دبليوز نيوز – 5Ws News

مقال يناقش عودة سوق الخرطوم للأوراق المالية ودوره في دعم الاستثمار وإعادة إعمار السودان.

اليوم لا تضيء شاشات التداول فحسب؛ بل يختبر السودان قدرته على إعادة تشغيل إحدى أهم أدوات اقتصاده.

في هذا اليوم، الأول من سبتمبر 2026م، يعود سوق الخرطوم للأوراق المالية إلى التداول في السوق الثانوي، بعد توقف قسري منذ أبريل 2023م بسبب الحرب. وهي عودة تتجاوز في معناها استئناف عمليات البيع والشراء؛ لأنها تعيد إلى الدورة المالية إحدى حلقاتها الأساسية، وتفتح الباب أمام استعادة دور سوق رأس المال في تعبئة المدخرات وتوجيهها نحو الاستثمار.

فالسوق الثانوي لا يوفر للمستثمر مجرد فرصة للبيع والشراء، وإنما يمنح الأوراق المالية قابلية للتداول، ويوفر للمستثمر إمكانية الدخول والخروج من استثماره، ويمنح الأسهم المدرجة قيمة سوقية تتحدد وفق العرض والطلب.

لكن السؤال الأهم اليوم ليس: هل عاد سوق الخرطوم إلى التداول؟ وإنما: هل نستطيع أن نجعل من هذه العودة بداية لسوق جديد؟

ذلك أن السودان الذي يعود إليه السوق اليوم ليس هو السودان الذي توقف فيه التداول في أبريل 2023م. فقد تغيرت الخريطة الاقتصادية بصورة عميقة، وتضررت قطاعات واسعة من الإنتاج، وتعطلت مؤسسات وبنى تحتية، وتراجعت الاستثمارات والمدخرات، بينما أصبحت الحاجة إلى التمويل أكبر من أي وقت مضى.

وهنا تبرز الفرصة التاريخية أمام سوق الخرطوم للأوراق المالية؛ فرصة الانتقال من مجرد مؤسسة تنظم تداول الأوراق المالية إلى أداة فاعلة في إعادة بناء الاقتصاد السوداني.

فمرحلة إعادة الإعمار ستحتاج إلى موارد ضخمة لإعادة تأهيل البنية التحتية، وإعادة تشغيل المصانع والمشروعات الزراعية والخدمية، وتمويل القطاع الخاص، واستعادة النشاط الإنتاجي. ومن غير الواقعي أن تتحمل الموازنة العامة وحدها هذه الأعباء، أو أن يكون الجهاز المصرفي المصدر الوحيد للتمويل.

هنا يأتي الدور الحقيقي لسوق رأس المال.

فالسوق المالي القوي يستطيع تعبئة المدخرات وتحويلها إلى استثمارات، وتوفير التمويل طويل الأجل للشركات والمشروعات، وتوسيع قاعدة الملكية، وإتاحة الفرصة للمواطنين والمؤسسات الاستثمارية للمشاركة في عملية البناء الاقتصادي.

غير أن الطريق إلى ذلك يبدأ من إعادة بناء الثقة.

والثقة في أسواق المال لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالشفافية والإفصاح والحوكمة والرقابة والعدالة في التداول. فالمستثمر يريد أن يعرف حقيقة الشركة التي يضع أمواله فيها، ويحتاج إلى قوائم مالية موثوقة، ومعلومات دقيقة وفي الوقت المناسب، وقواعد واضحة تطبق على الجميع، ونظام آمن وفعال للمقاصة والتسوية.

ومن هنا ينبغي أن تكون عودة التداول مصحوبة بارتقاء حقيقي بمستوى الإفصاح والحوكمة في الشركات المدرجة، وأن تتحول العلاقة بين السوق والشركات من مجرد علاقة تنظيمية إلى شراكة تدفع نحو تحسين الأداء المؤسسي وحماية حقوق المساهمين.

التكنولوجيا ليست ترفًا

وفي الوقت نفسه، لا بد من تطوير البنية التقنية للسوق.

فالمستثمر في الأسواق الحديثة لا يحتاج إلى الذهاب إلى قاعة التداول؛ إذ أصبحت الأسواق تصل إليه عبر المنصات الإلكترونية، وتوفر له المعلومات والأسعار والبيانات بصورة سريعة، وتمكنه من متابعة استثماراته واتخاذ قراراته بكفاءة.

لذلك فإن تطوير التداول الإلكتروني، ونظم المعلومات، ونشر بيانات السوق بصورة منتظمة، وتعزيز أمن المعلومات، ليست مسائل فنية هامشية، وإنما شروط أساسية لسوق حديث قادر على المنافسة.

السوق الحديث لا يكتفي بأن يكون مفتوحًا؛ يجب أن يكون متاحًا وشفافًا وسهل الوصول.

نحتاج إلى سوق يعكس الاقتصاد الحقيقي

كما أن الوقت قد حان لتوسيع قاعدة الشركات المدرجة، بحيث لا تظل البورصة محصورة في عدد محدود من المؤسسات، وإنما تصبح مرآة حقيقية للاقتصاد السوداني بمختلف قطاعاته.

فالزراعة والصناعة والاتصالات والطاقة والخدمات والتكنولوجيا والمؤسسات المالية وغيرها يمكن أن تجد في سوق رأس المال قناة لتمويل التوسع والنمو.

ومن الممكن، وفق دراسات اقتصادية وقانونية متأنية، النظر في طرح حصص من بعض الشركات والمؤسسات العامة للاكتتاب العام، بما يوسع قاعدة الملكية، ويعزز الحوكمة، ويوفر موارد للدولة، وينشط السوق.

رأس المال السوداني في الخارج

ولا ينبغي أن يغيب عن هذه الرؤية رأس المال السوداني في الخارج.

فالسودانيون في المهجر يملكون مدخرات وخبرات ورؤوس أموال يمكن أن تشكل رافدًا مهمًا لعملية إعادة البناء. لكن استقطاب هذه الأموال لن يتحقق بمجرد الدعوة إليها؛ وإنما يحتاج إلى بيئة استثمارية موثوقة، وتشريعات واضحة، وحماية حقيقية للمستثمر، وأدوات استثمار جاذبة، وسوق مالي يتمتع بالمصداقية.

وهنا يمكن لسوق الخرطوم أن يؤدي دورًا مهمًا في ربط رأس المال السوداني في الخارج بالفرص الاستثمارية داخل البلاد.

المستثمر الواعي ضرورة لا ترف

ومن الملفات التي تستحق اهتمامًا خاصًا نشر الثقافة الاستثمارية.

فالبورصة لا يمكن أن تصبح مؤسسة جماهيرية إذا ظل الاستثمار فيها محصورًا بين المتخصصين. المواطن يحتاج إلى أن يعرف معنى السهم والصك، وأن يفهم الفرق بين الاستثمار والمضاربة، وأن يدرك المخاطر والفرص، وأن يعرف حقوقه كمساهم.

فالمستثمر الواعي هو أفضل حماية للسوق.

كما أن شركات الوساطة مطالبة في المرحلة الجديدة بالارتقاء بدورها، من مجرد تنفيذ أوامر البيع والشراء إلى تقديم خدمة مالية واستثمارية أكثر مهنية، تساعد المستثمر على فهم السوق واتخاذ القرار السليم.

ولكن.. لا بد من الاعتراف بالمخاطر

والاحتفاء بعودة التداول لا ينبغي أن يحجب حقيقة أن الطريق لن يكون سهلاً.

فالسوق يعود بعد توقف طويل وفي بيئة اقتصادية استثنائية، ومن الطبيعي أن يواجه في بداياته ضعف السيولة، ومحدودية التداول، وتفاوت جاهزية الشركات، ونقص المعلومات المحدثة لدى بعض المتعاملين، فضلًا عن آثار الحرب على أوضاع الشركات وميزانياتها وقيم أصولها.

وقد تشهد المرحلة الأولى أيضًا تفاوتًا كبيرًا بين أسعار العرض والطلب، وارتفاعًا في درجة التقلب، وربما نشاطًا مضاربيًا تحركه التوقعات أكثر مما تحركه المؤشرات الأساسية للشركات.

وهنا تكمن مسؤولية الجهات الرقابية في حماية السوق من الممارسات التي قد تضر بالمستثمرين أو تهز الثقة في التجربة الجديدة.

كما أن طول فترة التوقف يفرض ضرورة التحقق من سلامة البيانات والسجلات، ومراجعة أوضاع الشركات المدرجة، والتأكد من استيفاء متطلبات الإفصاح، وتحديد كيفية التعامل مع أي أحداث أو تغيرات جوهرية طرأت على الشركات خلال فترة التوقف.

فالعودة السريعة مهمة، لكن العودة الآمنة أهم.

ومن الضروري كذلك ألا تتحول جلسات التداول الأولى إلى مقياس متعجل لنجاح السوق أو فشله. فقد تكون السيولة محدودة في البداية، وقد يستغرق استعادة الثقة وبناء قاعدة مستثمرين نشطة وقتًا. المهم هو وجود مسار واضح ومستدام للنمو.

من المسؤول عن المرحلة الجديدة؟

هذه المسؤولية لا تقع على عاتق إدارة سوق الخرطوم وحدها.

فإدارة السوق مطالبة بتطوير أنظمة التداول، ورفع كفاءة الخدمات، وتحسين نشر المعلومات، وتوسيع قاعدة الشركات والمستثمرين.

وسلطة تنظيم أسواق المال أمام مسؤولية أساسية في تطوير الإطار الرقابي، وضمان الشفافية، وحماية المستثمرين، ومكافحة الممارسات التي تخل بعدالة السوق.

أما وزارة المالية فعليها أن تنظر إلى سوق رأس المال باعتباره جزءًا من منظومة تمويل الاقتصاد، وأن تعمل على إدماجه في استراتيجية إعادة الإعمار وتنمية القطاع الخاص.

وبنك السودان المركزي معني بالتنسيق مع الجهات ذات الصلة بما يضمن التكامل بين الجهاز المصرفي وسوق رأس المال، وتطوير البيئة التي تسمح بتدفق الاستثمار والتمويل بصورة أكثر كفاءة.

أما الشركات المدرجة فعليها أن تدرك أن الإدراج في البورصة ليس امتيازًا فقط، وإنما التزام دائم بالإفصاح والحوكمة وحماية حقوق المساهمين.

وتتحمل شركات الوساطة مسؤولية تطوير خدماتها وكوادرها، بينما يتحمل المستثمرون مسؤولية التعامل الواعي وعدم الانسياق وراء المضاربات والشائعات.

من تشغيل السوق إلى تطوير السوق

والأهم أن نخرج من عقلية «تشغيل البورصة» إلى عقلية «تطوير السوق».

تشغيل السوق يعني أن تبدأ أوامر البيع والشراء.

أما تطوير السوق فيعني بناء مؤسسة قادرة على تعبئة المدخرات، وتمويل الشركات، وحماية المستثمرين، وجذب رؤوس الأموال، وتوفير المعلومات، وتطوير الأدوات المالية، وخدمة الاقتصاد الحقيقي.

ولهذا فإن المطلوب وضع استراتيجية واضحة لثلاث أو خمس سنوات مقبلة، تحدد بصورة عملية أين نريد أن يكون سوق الخرطوم، وعدد الشركات المستهدف إدراجها، وكيف نوسع قاعدة المستثمرين، وما الأدوات المالية التي نحتاج إلى تطويرها، وكيف نستقطب رأس المال السوداني في الخارج.

فالسوق الذي نريده ليس سوقًا للأسهم وحدها، وإنما سوق رأس مال متكامل، قادر على استيعاب أدوات تمويل متنوعة تخدم احتياجات الاقتصاد في مرحلة إعادة الإعمار.

البداية اليوم.. والاختبار غدًا

إن عودة التداول اليوم ينبغي أن تكون نقطة انطلاق لا نقطة وصول.

نريد سوقًا أكثر شفافية، وشركات أكثر التزامًا، ومستثمرًا أكثر وعيًا، ووساطة أكثر مهنية، وتكنولوجيا أكثر تطورًا، وتشريعات أكثر مواكبة.

نريد سوقًا يرتبط بالإنتاج لا بالمضاربة وحدها، وبالاستثمار طويل الأجل لا بالربح السريع فقط.

ونريد، قبل كل ذلك، أن يتحول سوق الخرطوم للأوراق المالية إلى أحد الجسور التي تعبر عليها مدخرات السودانيين نحو مشروعات البناء والإنتاج والتنمية.

فالسودان المقبل على إعادة البناء يحتاج إلى كل مصدر ممكن للتمويل، وكل مؤسسة قادرة على تحويل المدخرات إلى استثمارات، ورأس المال إلى إنتاج.

لقد توقفت شاشة التداول أكثر من ثلاث سنوات.

أما اليوم فهي تضيء من جديد.

والمطلوب ألا تكون هذه الإضاءة مجرد عودة لشاشة توقفت، وإنما إشارة إلى عودة الحياة إلى سوق رأس المال السوداني، وإلى بداية بناء سوق أكثر قوة وشفافية وقدرة على خدمة الاقتصاد الوطني.

فلا نريد عودة البورصة فقط؛

نريد بورصة تقود الي إعادة إعمار السودان.

الطيب شيقوق

عضو خبير / مجلس إدارة سوق الخرطوم للأوراق

فتح المصدر الأصلي
السيرة الذاتية للكاتب ←

تعليقات القرّاء